لا خلاف بين مختلف الأطراف على مطلب الانسحاب الإسرائيلي الشامل إلى ما وراء الحدود الدولية للبنان. الخلاف هو على الوسائل والإمكانات المتاحة لتحقيق ذلك. وهو بالطبع، وسط الانقسام العميق المانع لتوحيد المواقف وراء المطلب الوطني الواحد، علی ثمن الانسحاب ومرحلة ما بعده وموقع لبنان على خارطة التحولات الهائلة المتسارعة في الصراع الإقليمي والدولي. لكن السؤال البسيط الذي لا مهرب لأحد من الجواب العملي، لا النظري عنه هو: كيف يصير الانسحاب واقعًا من دون مواجهة ما هو أخطر من احتلال الأرض؟
في البدء كان تغيير الاستراتيجيات والحسابات في المنطقة، قبل الوصول إلى لبنان الذي لا يزال الجديد والقديم متساكنين فيه. وليس أصعب من تخلي القديم عن الممانعة للتغيير سوى "ممانعة" الجديد للبقاء على القديم. فالبلد ليس محكومًا بمعادلة خطيرة لا خروج منها وعليها: إما سياسة تقود إلى الاستسلام، وإما مقاومة تؤدي إلى الاحتلال. والواقع ناطق أمامنا ومن حولنا. حرب "حزب الله" لإسناد غزة وإيران التي أدت إلى عودة الاحتلال ليست الوسيلة القادرة على إزالة الاحتلال. والمفاوضات ليست استسلامًا كما يكرر الرئيس جوزاف عون القول، وإلا كيف تفاوض إيران أميركا بعد حرب طاحنة، وهي تتصرف على أساس أنها قائدة "محور المقاومة" ضد "الشيطان الأكبر" الأميركي و"الشيطان الأصغر" الإسرائيلي؟ وهي "الخيار الأقل كلفة".
حسب الرئيس نواف سلام، حتى من دون المقارنة مع كلفة التدمير والتهجير الباهظة في القتال.
ولا مجال بعد اليوم لخداع النفس والآخرين: تجربة السلاح والمقاومة والاحتلال حاليًّا ليست مثل تجربة المقاومة والتحرير في العالم 2000، حيث تغير لبنان وتغيرت استراتيجية إسرائيل واستراتيجية أميركا من الردع إلى الحسم ولم تتغير استراتيجية إيران و"حزب الله"وبقية الأذرع الإيرانية. والقراءة العميقة في مشاركة أميركا وإسرائيل في الحرب علی إیران تحتاج إلى الانتظار ثم التأمل في التطورات والأحداث بعد نهاية الحرب، ولا تتوقف أمام الخطاب "الانتصاري" الحالي للرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو والقادة في طهران وفصائل "المقاومة" التابعة لـ"الحرس الثوري".
والمعادلة واضحة، بصرف النظر عن شجاعة المقاتلين: السلاح الذي يصر "حزب الله" على الاحتفاظ به لإخراج الاحتلال هو العقبة التي تحول دون الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب إن لم يتم سحبه. ولا مفاوضات من دون تنازلات متبادلة. ولا انسحاب من دون ثمن ما دام أنه لا بد من التفاوض. والحوار المطلوب في لبنان، بدل المقاطعة ولعبة التخوين، هو حوار حول ثمن الانسحاب وتکریس الحدود الدولیة، كما حول صورة اليوم التالي بين لبنان وإسرائيل بعد الانسحاب، وما تقدمه الدولة العبرية والراعي الأميركي من ضمانات للسلام مع لبنان الذي يستعيد سيادته وسلامة أراضيه.
وكل ما هو دون السلام العادل یعني ترك لبنان أسير الصراع بين إسرائيل وإيران. حتى الترتيبات الأمنية وتطبيق القرار 1701 وتفعيل "الميكانيزم" وقوات "اليونيفيل"، فإنها لم تحل دون نشوب ثلاث حروب بين إسرائيل و"حزب الله"، ولا ما تسميه تل أبيب "حرية الحركة" في لبنان جوًّا وبرًّا وبحرًا، ولا أن يكرر الجيش الإسرائيلي عملية "جز العشب" كلما طال وتكدس السلاح وأن تستمر "المقاومة الإسلامية" من مواجهة الكيان الصهيوني. ومن لديه خيار أفضل، فإن علیه طرحه للحوار الوطني، بدل الانفراد به ولو قاد إلى التدمير المتكرر للبنان.
وأمامنا اليوم فرصة مفتوحة، وليس في وزارة الخارجية الأميركية وزیر مثل الدكتور كيسينجر يقول: "لبنان يغلي بدمه، دعه"، بل وزير يريد انقاذ البلد.
وما يسميه العالم السياسي الفرنسي برتران بديع "النفح الدبلوماسي" يبقى أقل خطورة من النفخ العسكري.