تتجه أنظار العالم اليوم إلى انطلاق مونديال 2026، حيث تتحوّل المنافسات الرياضية إلى مهرجان فرح بين الشعوب، فيما تحوّل لبنان، بفعل "حزب الله"، إلى كرة نارية تُقذف في ملعب "الساحات"، خارج إرادة الدولة وحسابات الناس وحقّهم في الحياة. وبينما تُدار المباريات هناك بقواعد واضحة وصفّارة حكم، يُدار الجنوب هنا بمنطق فوضى "الممانعة" وعبثيتها، حيث يتّسع يوميًا نطاق الإنذارات والإخلاءات، ويرتفع معه عدّاد القتل والتهجير.
وإذا كان "الحزب" يرى في المفاوضات المباشرة هزيمة وإذلالا للدولة اللبنانية، فبماذا يصف حرب "الثأر للخامنئي" التي تجاوزت يومها المئة أمس، ولم تخلّف سوى مزيد من الدمار والاستنزاف؟ وإذا كان قد "انتشى" بمسرحية الردّ الإيراني على إسرائيل انتقامًا للضاحية، فأين قُرّشت نتائجها سياسيًا وميدانيًا؟ وأين انعكست في معادلة الردع بينه وبين تل أبيب، فيما يعزّز الجيش الإسرائيلي عملياته وتوغلاته على أكثر من محور، لا سيما في القطاع الشرقي، حيث تشير المعطيات إلى أنه بات قاب قوسين من تلة علي الطاهر الاستراتيجية، المشرفة على مدينة النبطية وقراها من الغرب، وعلى منطقتَي مرجعيون والخيام من الجهة الشرقية، ومنطقة جزين من الجهة الشمالية.
وفي السياق الميداني، كشفت مصادر عسكرية في تل أبيب لـ"يديعوت أحرنوت أن القوات الإسرائيلية العاملة في لبنان استولت على ما وصفته بـ"أهم شريان لإمدادات حزب الله العسكرية"، قرب قلعة الشقيف. وأوضحت أنه تم الاستيلاء على مخزن أسلحة ضخم، أشبه بكتيبة أو لواء من وحدات مستودعات الطوارئ".
إزاء هذا الانسداد الميداني، تتحرّك القناة التفاوضية بوساطة أميركية على إيقاع مختلف، إذ أكد مصدر سياسي رفيع لـ"نداء الوطن" أن الأيام الفاصلة عن موعد الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، في الثاني والعشرين من الشهر الحالي، يُفترض أن تشهد تطورات إيجابية مرتبطة بتطبيق مخرجات الجولة الرابعة من المفاوضات، وذلك بعد التوضيحات التي نقلها السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى خلال لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولاحقًا خلال اجتماعاته مع مستشاري بري.
وأوضح المصدر أن الجانب الأميركي يتبنّى وجهة النظر اللبنانية ويدعمها، وقد نجح في دفع الجانب الإسرائيلي إلى التراجع عن مسودة إعلان النيات التي كانت مطروحة سابقًا، لمصلحة المرتكزات التي تمسّك بها الوفد اللبناني خلال المفاوضات، والتي حظيت بدعم أميركي واضح في المرحلة الأخيرة.
وشدد المصدر على أن "المرتكزات اللبنانية تقوم على أولوية التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار قبل الانتقال إلى المرحلة التالية المتعلقة بالمنطقة التجريبية والمناطق المحظورة فيها الأعمال القتالية"، معتبرًا أن "هذا المسار يعني عمليًا عدم العودة إلى الوقائع التي كانت قائمة قبل الثاني من آذار الماضي، بل الانتقال إلى مرحلة جديدة تستند إلى تفاهمات مختلفة وآليات تنفيذ محددة".
وأشار المصدر إلى أن "العمل جارٍ على وضع اللمسات الأخيرة على الآلية التنفيذية التي ستتولى توضيح مختلف الالتباسات والهواجس المطروحة لدى الأطراف المعنية، بما يمهّد للإعلان عن وقف شامل لإطلاق النار والانطلاق في تنفيذ التفاهمات المتفق عليها، ضمن إطار زمني يُفترض أن تتبلور معالمه قبل استئناف المفاوضات المرتقبة".
عون: لا عودة إلى زمن الوصايات
في الموازاة، أعاد رئيس الجمهورية جوزاف عون، وفق مصدر سياسي مطّلع، خلال استقباله شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى وممثلي رؤساء الطوائف، تثبيت عقيدة الدولة اللبنانية المتحرّرة من هيمنة "الممانعة" وأيديولوجيتها التي أمسكت طويلا بقرار الحرب والسلم. فإعلانه أنه أخذ قرار المفاوضات وسيكمل فيه حتى النهاية لا يشكّل مجرد موقف سياسي عابر، بل يعني، في جوهره، نقل لبنان من منطق الساحات المفتوحة إلى موقع الدولة التي تفاوض باسم شعبها ومؤسساتها وحقها في السيادة.
وشدّد عون على أن "العودة إلى زمن الوصايات ممنوعة، أيًا يكن مصدرها"، مرحبًا بمساعدة أي دولة، لكن من دون أن تتحوّل هذه المساعدة إلى تدخل في الشأن الداخلي اللبناني أو إلى أداة لتحقيق مصالح خارجية على حساب المصلحة الوطنية. فلبنان، بحسب هذه المقاربة، لا يعادي الدعم العربي أو الدولي، من دول الخليج إلى الدول الأوروبية وغيرها، لكنه يضع شرطا واضحا: ألا يكون الدعم بوابة للتأثير في القرار اللبناني أو مصادرة إرادة الدولة.
وجزم رئيس الجمهورية بأنه "على توافق تام مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يُثار في وسائل الإعلام"، مؤكدًا أن أي اختلاف في الرأي، إن حصل، يبقى غنى طبيعيا داخل المؤسسات، لا انقسامًا على المصلحة الوطنية. فالتواصل قائم، والهدف واحد، والعلاقة بين الرئاسات "أكثر من ممتازة"، بما يعكس محاولة واضحة لتحصين مسار التفاوض بغطاء دستوري داخلي، ومنع تحويله إلى مادة تشكيك أو تعطيل.
من جهته، أكد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أن السلطة القانونية والشرعية في لبنان، هي رئيس الجمهوريّة والحكومة، لذا من غير المقبول على الإطلاق إتهام الحكومة التي تمثّل أكثرية الشعب اللبناني بالخيانة. وحذّر في حديث لإذاعة "لبنان الحرّ" من توّقف المفاوضات باعتبار أن "إسرائيل ستكمل حربها بصورة أكبر وحزب الله هو من سيساعدها في حربها، إذ لديه النية بإكمالها".
رسائل سلام إسرائيلية للبنانيين
في مقابل الجهود اللبنانية الرسمية في استعادة القرار الوطني من "محور الساحات"، تسعى إسرائيل بدورها إلى استثمار اللحظة السياسية والعسكرية، عبر خطاب يجمع بين رسائل السلام الموجّهة إلى اللبنانيين وبين استمرار الضغط الميداني في الجنوب. فتل أبيب، التي تصعّد عملياتها ضدّ بنية "حزب الله"، تحاول في الوقت نفسه أن تفصل بين لبنان الرسمي والشعب اللبناني من جهة، وبين "حزب الله" وإيران من جهة أخرى.
ومن هنا جاءت الرسائل الإسرائيلية الأخيرة من الرئيس إسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لتواكب هذا المناخ التفاوضي وتخاطب الداخل اللبناني مباشرة. فقد وجّه هرتسوغ رسالة باللغة العربية إلى الشعب اللبناني وقيادته دعا فيها إلى السلام والحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله، قائلا: "من الحدود الشمالية نمدّ يد السلام إلى رئيس لبنان والشعب اللبناني"، ومشددًا على ضرورة أن يبقى لبنان "حرّا من نفوذ إيران وحزب الله والتنظيمات الإرهابية"، وأن يُصنع مستقبله في بيروت لا في طهران.
أما نتنياهو، فذهب في الاتجاه نفسه، مع نبرة أكثر حدّة، إذ قال في رسالة إلى اللبنانيين إن إسرائيل "ليست في حالة حرب مع لبنان"، بل مع "حزب الله"، متهمًا الأخير بأنه "احتجز لبنان رهينة وينفذ أوامر إيران ويستخدم الأراضي اللبنانية لمهاجمة إسرائيل". واعتبر أن "العائق الوحيد أمام السلام مع لبنان هو حزب الله"، وأن مستقبل العلاقات بين البلدين يمكن أن يتغيّر "بمجرد تفكيك الحزب"، على حدّ تعبيره.
السعودية تستأنف الصادرات اللبنانية أعلنت "وكالة الأنباء السعودية" في بيان، أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أجرى اتصالا هاتفيًا برئيس الحكومة نواف سلام، نقل خلاله توجيه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة. وأشار البيان إلى أن "القرار جاء بناء على طلب رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وفي ضوء الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة اللبنانية على طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة، إضافة إلى ما أنجزته الفرق المختصة خلال العام الماضي، وما أبداه الجانب اللبناني من تعاون معها وتقديمه التعهدات المطلوبة. وأكد بن فرحان "دعم المملكة لاستقرار لبنان وسيادته على كامل أراضيه ورفاه شعبه"، معربًا عن "ثقة الرياض باتخاذ لبنان جميع التدابير اللازمة لضمان عدم استخدام أراضيه منصة للإضرار بأشقائه". |