لنتخيّل المشهد قليلا... في مكان ما بين بغداد ودمشق والقاهرة وبلاد فارس، يجلس ناسخ مرهق فوق أوراق صفراء، ينسخ للمرة الثلاثين حكاية فيها تاجر وجنّي وثلاث جثث داخل صندوق، وقرد يتحدث كأنه فيلسوف محبَط من الحياة. الرجل لا يعرف أنّ هذا العمل المملّ سيصبح جزءًا من واحد من أهم الكتب في تاريخ البشرية. "ألف ليلة وليلة" لم يكن مجرّد كتاب للمتعة أو التسلية، بل كائنًا أدبيًا غريبًا عاش قرونًا طويلة ونجا من كل شيء تقريبًا، من تغيّر اللغات إلى انهيار الإمبراطوريات، وحتى من تدخّل "ديزني".
في الحقيقة، الكتاب نفسه يشبه الحكايات التي يحتويها. لا أحد يعرف بالضبط من كتبه أول مرة، ولا توجد نسخة أصلية متفق عليها، وكل من مرّ عليه تقريبا أضاف إليه شيئًا أو حذف شيئًا أو غيّر التفاصيل حسب مزاجه. ثمة حكايات جاءت من بلاد فارس، وأخرى من الهند، وأخرى من العالم العربي، ثم بدأ الرواة والنسّاخ والمترجمون يخلطون كل ذلك معًا، حتى تحوّل الكتاب إلى فوضى هائلة. والغريب أنّ هذه الفوضى بالذات هي سرّ عبقريته. ولو حاول أحد اليوم تنظيم "ألف ليلة وليلة" بشكل منطقي ومثالي، فربما يُدمّر سحره بالكامل.
حتى القصة الأساسية التي تربط الكتاب كلّه تبدو وكأنها خرجت من جلسة علاج نفسي فاشلة جدًا. الملك شهريار يكتشف خيانة زوجته، وبدل أن يحاول فهم مشاعره أو يذهب ليعيش أسبوعًا هادئًا بعيدًا عن الناس، يقرّر الزواج كل ليلة من امرأة جديدة ثم قتلها صباحًا. حلّ متطرّف قليلا، لكنه في النهاية أدّى إلى ظهور شهرزاد، التي ربما تكون أذكى شخصية في تاريخ الأدب كلّه. فقد فهمت شهرزاد بسرعة شيئًا مهمًا جدًا عن البشر عمومًا، وليس عن شهريار فقط. تنبّهت إلى أنّ الناس يعشقون التشويق أكثر ممّا يعشقون الراحة النفسية. لذلك بدأت تروي للملك قصّة كل ليلة، لكنها كانت تتوقف دائمًا عند اللحظة الحاسمة قبل الفجر مباشرة. الملك يريد أن يعرف النهاية، إذًا لا إعدام اليوم. الحلقة المقبلة غدًا.
ملكة الإدمان السردي
وقبل أن يخترع العالم المسلسلات والمنصّات الرقمية بقرون طويلة، كانت شهرزاد قد اكتشفت بالفعل فكرة الإدمان السردي. ألف ليلة تقريبًا قضاها شهريار مستمعًا إلى الحكايات، حتى تحوّل بالتدريج من رجل قاتل إلى شخص ينتظر الليل ليسمع ماذا سيحدث بعد ذلك. وربما كانت هذه أول مرة في التاريخ ينجح فيها الأدب في إنقاذ حياة إنسان بشكل حرفي.
لكنّ الأمر الأكثر غرابة ليس شهرزاد نفسها، بل الطريقة التي تكوّن بها الكتاب عبر القرون. يتخيّل الناس دائمًا أنّ الكتب العظيمة يكتبها شخص عبقري يجلس وحده على ضوء شمعة، بينما "ألف ليلة وليلة" أقرب إلى مشروع جماعي ضخم شارك فيه الجميع من دون تخطيط. ناسخ يضيف جملة من عنده، وراوٍ يبالغ لأن الجمهور يحبّ المبالغة، ومترجم يختصر فقرة ويخترع أخرى، وحكواتي يقرّر أنّ النهاية الأصلية ليست ممتعة بما يكفي فيغيّرها بالكامل. النتيجة النهائية تبدو أحيانا كأنّ الكتاب يكتب نفسه بنفسه.
ولهذا السبب تحديدًا، لا توجد نسخة نهائية حقيقية لـ "ألف ليلة وليلة". تختلف المخطوطات من مدينة إلى أخرى، وبعض القصص تظهر فجأة في نسخة ثم تختفي في نسخة أخرى، وحتى أشهر الحكايات لم تكن دائمًا جزءًا من الكتاب. علاء الدين مثلا لم يكن موجودًا في أقدم المخطوطات المعروفة، وكذلك علي بابا. ومع ذلك، أصبح الاثنان أشهر من كثير من القصص الأصلية نفسها. العالم كلّه تقريبًا يظن أنه يعرف "ألف ليلة وليلة" من خلال علاء الدين والمصباح السحري، بينما هذه الصورة التي نعرفها اليوم صُنعت تدريجيًا عبر القرون على يد مترجمين ورواة وناشرين.
أنطوان وحنا
وفي القرن الثامن عشر، ظهر المترجم الفرنسي أنطوان غالان (Antoine Galland)، وهنا بدأت الحكاية تأخذ شكلا عالميًا. نقل غالان الكتاب إلى أوروبا، وفجأة دخلت القارة كلّها في حالة هوس بالشرق. سجّاد طائر، قصور مذهّبة، سلاطين غامضون، أسواق مليئة بالعطور، ونساء يجلسن وسط أكوام من الوسائد الحريرية. بالنسبة إلى كثير من الأوروبيين، لم يعد الشرق مكانًا حقيقيًا بقدر ما صار عالمًا خياليًا ضخمًا يعيش داخل المخيّلة. والطريف أنّ بعض أشهر القصص التي نشرها غالان ربما سمعها شفهيًا من رجل سوري ماروني اسمه حنا دياب، وهو مسافر من حلب ظلّ مجهولا تقريبًا لقرون طويلة، قبل أن يكتشف الباحثون دوره لاحقًا. تخيّلوا أنّ شخصية مثل علاء الدين، التي يعرفها اليوم ملايين البشر حول العالم، ربما خرجت أساسًا من ذاكرة راوٍ سوري كان يتحدث في باريس منذ ثلاثمئة سنة.
والغريب أنّ قصة حنا دياب ليست حتى أغرب شيء في "ألف ليلة وليلة". فهذا الكتاب يتصرّف دائمًا كأنه يرفض أن يمتلك أصلا واضحًا أو مؤلِّفا واحدًا أو حتى بداية مستقرة. كل حكاية تفتح حكاية أخرى، وكل راوٍ يبدو وكأنه يسلّم القصة إلى شخص جديد قبل أن يختفي. أحيانا تشعر أنّ الكتاب لا يُروى بقدر ما يتكاثر من تلقاء نفسه. شخص يدخل الحكاية لثلاث صفحات فقط ثم يتحوّل فجأة إلى بطل قصة كاملة، وجنّي يظهر ليشرح كيف انتهى داخل قمقم منذ خمسمئة سنة، ثم يجد القارئ نفسه بعد دقائق بعيدًا تمامًا عن القصة الأولى وقد نسيها أصلا. وفي مرحلة ما، يتوقف القارئ عن محاولة السيطرة على المتاهة، ويقرّر ببساطة الاستمتاع بالضياع داخلها.
الكتاب الناجي دائمًا
لذا ظلّ الكتاب قادرًا على النجاة من كل عصر يدخل إليه. في كل مرة يظن الناس أنهم فهموه بالكامل، تظهر قراءة جديدة أو ترجمة مختلفة أو مخطوطة تغيّر الصورة من جديد. "ألف ليلة وليلة" لا يتصرّف ككتاب قديم محفوظ داخل متحف، بل ككائن حيّ يتبدّل باستمرار، وكأنه يرفض أن يتحوّل إلى نسخة نهائية مستقرة يمكن السيطرة عليها بسهولة.
والمضحك أنّ البعض ما زالوا يتعاملون مع "ألف ليلة وليلة" باعتباره كتابًا للأطفال فقط، رغم أنه مليء بالمؤامرات والقتل والخيانة واللصوص والعفاريت والمكائد والزواج الكارثي والمتع الإيروسية والجثث المقطعة، والأمور التي جعلت النسخ الحديثة أكثر لطفًا بكثير من الأصل. "ديزني"، على سبيل المثال، أخذت هذا العالم الفوضوي والمظلم أحيانا، وقرّرت تحويله إلى أغنيات وجنّي أزرق لطيف يطلق النكات طوال الوقت.
ربما هنا يكمن السرّ الحقيقي لبقاء هذا الكتاب حيًّا حتى اليوم. "ألف ليلة وليلة" لا يؤمن بالنقاء الثقافي ولا بالحدود الواضحة بين الحضارات. كل شيء مختلط فيه: اللغة والأسطورة والدِّين والخرافة والخيال الشعبي والتأثيرات القادمة من كل مكان. إنه يشبه سوقًا عالميًّا ضخمًا للحكايات، يدخل إليه الجميع ويخرجون منه وهم يحملون قصة جديدة.
وفي النهاية، كانت شهرزاد قد فهمت قبل الجميع شيئًا ما زال العالم يكتشفه حتى الآن: يعيش البشر بالحكايات. وحتى عندما تتغيّر الأزمنة، وتسقط الإمبراطوريات، وتختفي المدن القديمة، وتتحوّل القصص إلى أفلام ومسلسلات، يبقى هناك دائمًا شخص ما يريد أن يسمع تتمة الحكاية قبل أن ينام. ولهذا ما زالت شهرزاد، بعد كل هذه القرون، تتحدّث بهدوء في مكان ما من الليل، بينما العالم كلّه يقترب منها أكثر ويقول لها العبارة نفسها منذ ألف سنة تقريبا: "أكملي الحكاية".