يقول المنظّر والمفكّر الاستراتيجي Carl von Clausewitz "إن وقف القتال قبل بلوغ الأهداف المرجوّة، يترك المبادرة للعدوّ في كثير من الأحيان، ممّا يجعل تحقيق الهدف أكثر صعوبة في المستقبل".
وبالفعل، هذا ما أدّى إلى استعادة ايران المبادرة بعد أن فشلت الولايات المتّحدة في تحقيق أهداف الحملة العسكريّة التي حدّدت أبرزها، في البدء، بالنّقاط الثلاثة التالية: تدمير أو وقف البرنامج النوويّ نهائيّاً؛ وفرض ضوابط على برنامج الصّواريخ الباليستيّة (عدداً، ومدى، وقدرة)؛ و"قطع" ما يسمّى بأذرع إيران، "وكلائها" في اليمن والعراق ولبنان... أمّا موضوعيّاً وعمليّاً، فإنّ تحقيق هذه الأهداف مجتمعة كان ليعني إضعافاً شديداً للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، إن لم يكن لإسقاط نظامها الحاكم، ممّا كان مأمولاً فيه عند توجيه "الوجبة الأولى"، صباح 28 شباط من العام الجاري. وهذا ما كانت تدركه إسرائيل بشكل خاصّ، وتعمل عليه، بعد أن بذلت جهداً أمنيّاً ومخابراتيّاً كبيراً جدّاً، كان من المفترض أن يشكّل الرّافعة التي تكمل العمليّة العسكريّة الاميركيّة، وتحقّق الأهداف الّتي كانت لا تزال مشتركة في حينه.
فماذا جرى، وكيف حوّلت إيران الهزيمة التكتيّة الى انتصار استراتيجيّ، علماً أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة تضمّ أبرز وأهمّ مراكز الدّراسات الاستراتيجيّة الّتي تحظى بميزانيّات ضخمة؟ فكيف يُعقل أن يعيّن جارد كوشنر وستيف ويتكوف - وهما من رجال الأعمال المجرّدين من أيّ تجربة سياسيّة أو خبرة خاصّة في شؤون الشّرق الأوسط - كمفاوضين رئيسيّين، مقابل محترفين كوزير الخارجيّة عبّاس عراقشي، ورئيس مجلس الشّورى محمّد باقر قاليباف (السّياسيّ - الأمنيّ، والظّابط السّابق في الحرس الثوريّ)؟!... وكيف تدرّجت إدارة ترامب في التّراجع عن الأهداف المفترَضة، إلى حدّ الاكتفاء بنتائج شكليّة، كعودة الحركة إلى مضيق هرمز، مع وعد بالتّفاوض على التّفاوض في المسألة النوويّة، وإسقاط أهمّ قضيّتين من جدول الأعمال: الصّواريخ و"الأذرع"!!!
إنّ أقلّ ما يقال فيها إنّها مذلّة لأكبر قوّة عسكريّة واقتصاديّة في العالم. وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أنّ تجارب الولايات المتّحدة في إسقاط الأنظمة، غالباً ما انتهت بطريقة مأساويّة، كتجربة العراق أو الخروج المهين من أفغانستان بعد استعادة طالبان الحكم.
اليوم، وفي كلّ الأوراق المتبادلة، ترفض إيران أيّ التزام جدّيّ في الملفّ النوويّ (عدا الوعد بالتّفاوض خلال ستّين يوماً، أو ستّين شهراً، أو ستّين... عاماً!!!)، أو حتّى مجرّد ذكر لملفّي الصّواريخ و"الأذرع".
ووفق آخر الأرقام، استعادت إيران ثلثي قدراتها العسكريّة تقريباً، في مجالي الصّواريخ والمسيّرات، بالإضافة إلى استعادة الدّور المحوريّ في المنطقة، بعد أن لعبت بمهارة فائقة ورقة إقفال مضيق هرمز. أمّا على صعيد الإمرة بين أجنحة النّظام ومؤسّساته، فانتقلت من تقاسم السّلطة بين المؤسّسة الدّينيّة بزعامة المرشد الأعلى،
خامنئي الأب، وكلّ من المؤسّسة السياسيّة، والمؤسّسة العسكريّة - الأمنيّة، أي الحرس الثّوريّ، إلى سيطرة كاملة ومطلقة للحرس الثّوريّ على كلّ مفاصل الدّولة والأمن والاقتصاد.
أمّا مجتمعيّاً، فتفيد المعلومات بأنّ الـ"باسيج"، وهي قوّة شبه عسكريّة إيرانيّة، تُعرف رسميّاً باسم "قوّات تعبئة المستضعفين"، وهي تتبع للحرس الثّوريّ، وقد تأسّست بعد الثّورة الإيرانيّة عام 1979، بأمر من الإمام الخمينيّ، قد ازداد عديدها بشكل خياليّ، ليلامس الثّلاثين مليوناً من المتطوّعين؛ كذلك الأمر، وفي سياق حملة التّعبئة الشّعبيّة، تنتشر أعداد كبيرة من الإيرانيّين في السّاحات وعلى الجسور المهدّدة كدروع بشريّة...
وبعد كلّ التّنازلات والإخفاقات والخسائر، يسأل المرء: أين الرّئيس دونالد ترامب من تغريدته الشهيرة: "أيّها الوطنيّون الإيرانيّون، واصلوا الاحتجاج - سيطروا على مؤسّساتكم!!! إحفظوا أسماء القتلة والمعتدين. سيدفعون ثمنًا باهظًا... المساعدة في الطّريق"؟!
بالنّتيجة، فإنّ الحرس الثّوريّ يسيطر على كلّ المفاصل. وبعض القتلة والمعتدين هم المفاوضون في باكستان وغيرها، فيما المساعدة علقت في المضيق!
ويبقى الثّمن الباهظ ما ستدفعه المنطقة، ولبنان بشكل خاصّ. ففي لبنان، تمكّن حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكريّة، والحرس الثّوريّ الإيرانيّ ساهم بشكل أساسيّ بتدريب وتجهيز وتذخير مجموعات الحزب، كما بانشاء خطوط تصنيع لمسيّرات الـFPV الّتي باتت تشكّل مصدر قلق جدّيّ للجيش الإسرائيليّ. وقد استفاد حزب الله من الضّعف الأميركيّ أمام إيران، وكذلك من التّناقضات بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل، في ظلّ حسابات ترامب الضّيّقة، والّتي أدّت في اللحظة الأخيرة، إلى إلغاء العمليّة العسكريّة الّتي تجهّزت لها إسرائيل منذ أشهر عدّة، للقضاء نهائيّاً على القدرات العسكريّة والأمنيّة لحزب الله، عبر خرق خطوط الدّفاع الأساسيّة في جبل الرّيحان وجرود منطقة جزّين، والالتفاف بقاعاً... مع الأخذ بعين الاعتبار، أنّ اجتماعات واشنطن بين الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ، لم تُظهر حتّى الان قدرة الدّولة اللبنانيّة على تطبيق قراراتها بشأن الأطر الأمنيّة والعسكريّة للحزب.
هذا ويعمل حزب الله بلا هوادة على كافّة الصّعد، في العسكر والأمن والانتشار الدّيموغرافيّ والإعلام، وكذلك ضمن مواضع سيطرته ونفوذه داخل أجهزة وبنى الدّولة اللبنانيّة؛ وهو يتحضّر للمرحلة المقبلة، في ظلّ عدم وجود رؤية لدى الأفرقاء الآخرين، وغياب الأجوبة عن التّساؤلات المصيريّة:
هل هناك متابعة جدّيّة ودراسة موضوعيّة لأوضاع النّازحين ومخيّماتهم؟
إذا عادت إسرائيل وتخطّت الفيتو الأميركيّ وشنّت عمليّتها الكبرى ضدّ حزب الله، أو لم تشنّها... في الحالتين، ما هو الموقف؟ وما هي التّحضيرات؟
في ظلّ تباهي ترامب باتّصال مزمع مع حزب الله، ألسنا أمام خطر إعادة تلزيم لبنان لإيران من خلال الحزب؟
في الختام، يؤكّد Clausewitz أنّ "الحرب هي صراع بين إرادات متعارضة، يسعى فيه كلّ طرف إلى إخضاع الطّرف الآخر لإرادته"؛ وعلى ما يبدو، فإنّ إيران هي الّتي أخضعت القوّة العظمى، وليس العكس!!!
باحث مستقل في التاريخ السياسي للشرق الأوسط