الدكتور سايد حرقص

حزب الله بين «المستقبل 2002» و "واقع 2026"

5 دقائق للقراءة

عندما نشر الشيخ نعيم قاسم كتابه «حزب الله: المنهج – التجربة – المستقبل» عام 2002، في ظل رئاسة العماد «المكاوم» إميل لحود، كان لبنان والمنطقة يختلفان جذرياً عمّا هما عليه اليوم. فقد صدر الكتاب في عهد رئيسٍ اختار دعم «المقاومة» على حساب دور الجيش الشرعي، منذ عملية «تصفية الحساب» الإسرائيلية عام 1993، حين رفض قرار الحكومة بحل حزب الله، وطلب دعم الرئيس السوري حافظ الأسد، وعمل جاهداً على تعزيز موقع الحزب على حساب المؤسسة العسكرية الشرعية، التي تحوّلت آنذاك إلى قوة محدودة التأثير في المعادلة العسكرية. كما صدر الكتاب في أجواء أعقبت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وسط حملة دعائية واسعة صوّرت ذلك الحدث على أنه انتصار تاريخي كبير.

في تلك المرحلة، كانت قبضة الوصاية السورية على لبنان قد بدأت تُظهر بعض التصدعات، فيما كان حزب الله يشعر بأنه بلغ ذروة قوته السياسية والعسكرية والشعبية، ليس على مستوى لبنان فحسب، بل على مستوى الشرق الأوسط بأسره. فقد تحوّل، في نظر مؤيديه وكثيرين في العالمين العربي والإسلامي، إلى رمزٍ للانتصار على الاحتلال الإسرائيلي، وإلى القوة التي نجحت في كسر أسطورة «الجيش الذي لا يُقهَر». من هذا المناخ السياسي والإعلامي، نشأت في المقابل أسطورة أخرى روّج لها الإعلام الدعائي للحزب، هي أسطورة «المقاومة التي لا تُقهَر».

في ذلك الزمن، بدا الحزب وكأنه يعيش لحظة صعود استثنائية، مستنداً إلى رصيد شعبي واسع وإلى شعور عام بأن المستقبل يسير في الاتجاه الذي رسمته قيادته في أدبياتها وخطاباتها.

لم يكن الكتاب مجرد عرض لتجربة حزب سياسي، بل كان محاولة لرسم مستقبل الحزب لعقود قادمة. وقد قامت هذه الرؤية على مجموعة من "المسلمات" التي اعتبرها المؤلف ثابتة وغير قابلة للاهتزاز أو حتى النقاش. لكن بعد أكثر من عشرين عاماً، يبدو أن كثيراً من هذه المسلمات بات يخضع لاختبار قاسٍ فرضته الوقائع.

كتب الشيخ نعيم قاسم بوضوح أن حزب الله يؤمن «بالقيادة الشرعية للولي الفقيه» وأن هذه المرجعية تشكل أساساً فكرياً وسياسياً للحزب، وأن أوامر الولي الفقيه وتوجيهاته تمثل الإطار العام الذي يتحرك الحزب ضمنه.

بعد أكثر من عقدين، لم يتغير هذا المبدأ. فما زال الحزب يعلن التزامه السياسي والعقائدي بهذه المرجعية، وما زال يعتبر نفسه جزءاً من المحور الذي تقوده إيران في المنطقة.

لكن ما تغيّر هو البيئة المحيطة. ففي حين افترض الكتاب أن هذا الارتباط سيمنح الحزب مزيداً من القوة والشرعية، أصبح هذا الارتباط نفسه موضع نقاش داخلي لبناني واسع، في ظل تصاعد المطالب بحصر القرار الاستراتيجي بالدولة اللبنانية وحدها.

إنطلق الكتاب من اعتبار سلاح المقاومة مصدر قوة للبنان وعنصراً أساسياً في مواجهة إسرائيل.

في عام 2002 كان السؤال المطروح هو كيف يمكن الاستفادة من قوة سلاح المقاومة بعد التحرير. أما اليوم فقد أصبح السؤال المنطقي: ما هو الحل الأقل كلفة للتخلص من هذا السلاح ؟ وهل يمكن استمرار أي قوة عسكرية خارج إطار الدولة؟

بمعنى آخر، انتقل النقاش من شرعية المقاومة إلى مستقبل سلاحها، وهي نقلة جوهرية لم يكن الكتاب يتوقع حدوثها.

يفترض الكتاب إمكانية الجمع بين وجود دولة لبنانية الى جانب مقاومة تمتلك قرار الحرب والسلم.

لكن التجربة اللبنانية خلال العقدين الماضيين أظهرت أن هذه المعادلة غير واقعية وجرت على البلد الويلات والدمار والتهجير. فكل أزمة سياسية أو أمنية أو دبلوماسية كانت تعيد طرح السؤال نفسه: من يملك القرار النهائي في القضايا المصيرية، الدولة أم الحزب؟

وهو سؤال لم يكن مطروحاً عندما كُتب الكتاب ولم يكن الكاتب يعتقد بأننا سنصل الى زمن يختصر هذا السؤال المشهد السياسي في لبنان والمنطقة.

كتب الشيخ نعيم قاسم كتابه في مرحلة كانت فيها إيران وحلفاؤها يعيشون حالة تمدد سياسي ومعنوي في المنطقة وبرعاية ودعم أميركي غير معلن.

أما اليوم، فإن المنطقة نفسها تشهد تحولات عميقة. فسوريا الاسد انتهت الى غير رجعة، ولبنان يعيش أزمة إقتصادية وأمنية غير مسبوقة، وإيران تواجه استهدافا اميركيا - اسرائيليا مدمرا، فيما تعرضت البنية العسكرية والمالية للحزب خلال السنوات الأخيرة لسلسلة من الضربات والخسائر والتحديات والتدمير المنهجي مما ادى الى اضعافها بشكل كبير.

لذلك فإن البيئة الإقليمية التي افترض الكتاب أنها ستشكل رافعة دائمة لتطور قوة الحزب لم تعد بالقوة التي كانت عليه عند صدور الكتاب.

المفارقة الأبرز أن الشيخ نعيم قاسم كتب الكتاب بصفته أحد منظري الحزب. أما اليوم فهو الأمين العام للحزب، وأصبح مسؤولاً عن إدارة مرحلة ربما تكون الأكثر تعقيداً منذ تأسيسه.

لقد انتقل الرجل من موقع «التنظير» إلى موقع «التقرير» في زمنٍ ضبابيٍّ مُخيف.

عند قراءة كتاب «حزب الله: المنهج – التجربة – المستقبل» اليوم، لا يعود السؤال محصوراً في مدى دقة توصيف الشيخ نعيم قاسم لحزبه، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك فرضيته المركزية التي بُني عليها النص: أن مسار الحزب محكوم باتجاه تصاعدي شبه دائم لا يعرف الانكسار. فقد صيغ الكتاب بلغة اليقين بالمستقبل، وافترض أن تراكم القوة سيقود تلقائياً إلى اتساع النفوذ داخل لبنان وخارجه. غير أن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي تفرض أسئلة أكثر حدّة وإلحاحاً: هل يستطيع الحزب فعلاً الصمود أمام هذه التحولات المتسارعة؟ وهل هناك فعلاً مستقبلٌ للحزب من دون سلاحه؟