شربل صيّاح

السلام لا ينهي الممانعة

6 دقائق للقراءة
لماذا لا يكفي السلام لإنهاء “الوعي الممانع”؟ (رويترز)

من أكثر المقاربات شيوعاً في النقاش السياسي اللبناني والعربي، الاعتقاد بأن الصراع مع إسرائيل هو السبب الوحيد لوجود ما يُعرف بالوعي الممانع، وبالتالي فإن أي تسوية أو سلام مع إسرائيل سيؤدي تلقائياً إلى تراجع هذا الوعي أو اندثاره. هذه المقاربة تبدو جذابة في ظاهرها، لكنها تتجاهل حقيقة أساسية: الوعي الممانع أقدم من إسرائيل نفسها، وأكثر تعقيداً من أن يُختزل في نزاع حدودي أو سياسي مهما كانت أهميته.

فالحركات التي شكّلت البنية الفكرية لهذا الوعي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا عام 1928، سبقت قيام دولة إسرائيل.

وهذا يعني أن إسرائيل لم تُنشئ هذا الوعي، بل وفّرت له لاحقاً القضية الأكثر قدرة على التعبئة والحشد وإعادة إنتاج الشرعية.

ومن هنا فإن الصراع مع إسرائيل لم يكن مصدر وجود الوعي الممانع بقدر ما كان المجال الذي وجد فيه أفضل أدوات التعبير عن نفسه.

لهذا السبب تحديداً، فإن الخلط بين السلام مع إسرائيل وبين معالجة الوعي الممانع يؤدي إلى استنتاجات سياسية غير مرجوّة. فالدول تستطيع أن تنهي نزاعاتها، وأن ترسم حدودها، وأن توقّع المعاهدات، لكن الأفكار والهويات السياسية لا تختفي بالضرورة مع انتهاء أسبابها الظاهرة. بل كثيراً ما تستمر لأنها أصبحت جزءاً من تكوين جماعات كاملة ومن نظرتها إلى نفسها وإلى العالم.

وتقدم التجربة المصرية مثالاً واضحاً على ذلك. فقد كانت مصر أول دولة عربية توقع اتفاق سلام مع إسرائيل، وتمكنت لاحقاً من معالجة نزاعاتها الحدودية والسيادية عبر القانون الدولي والمؤسسات الدولية كما حدث في قضية طابا. ومع ذلك لم يؤدِّ السلام إلى اختفاء الوعي الممانع داخل المجتمع المصري، بل استمرت جماعة الإخوان المسلمين في التوسع السياسي والاجتماعي لعقود طويلة بعد كامب ديفيد، إلى أن وصلت إلى السلطة. ولو كان السلام كافياً لإنهاء الممانعة، لما اضطرّ الجيش المصري لحسم أمر الوعي الممانع بالقوّة.

أما التجربة الفلسطينية فتؤكد الفكرة نفسها من زاوية مختلفة. فقد ذهبت السلطة الفلسطينية إلى اتفاق أوسلو 1993 باعتباره إطاراً لحل الصراع عبر المؤسسات والتفاوض. لكنها لم تحسم في الوقت نفسه مسألة السلاح الدّاخلي الموازي والشرعية الموازية والخطاب الموازي الذي تمثله حركات أخرى كحركة حمّاس مثلاً داخل المجتمع الفلسطيني. وهكذا نشأ وضع انتقلت فيه السلطة إلى منطق الدولة والتسوية، بينما بقي جزء من المجتمع يتحرك وفق منطق الممانعة والصراع المفتوح. ولم يكن جوهر الأزمة في وجود التسوية أو غيابها، بل في عجز السلطة عن احتكار القرار السياسي والأمني داخل المجال الفلسطيني.

وفي لبنان، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. فبين عامي 1990-2005 كانت الدولة اللبنانية في حالة انسجام كامل مع النظام السوري. ومع ذلك لم يختفِ الوعي الماروني (على وجه الخصوص) المعارض للوصاية السورية، بل استمر في الأحزاب والكنيسة والإعلام والجامعات والاغتراب اللبناني. ولم ينتهِ هذا الوعي حتى بعد خروج الجيش السوري عام 2005، لأنه لم يكن مرتبطاً فقط بالوجود السوري، بل بتصور جماعة كاملة لهويتها السياسية ولدورها داخل الكيان اللبناني.

غير أن الفارق الجوهري بين الوعي الماروني والوعي الممانع يكمن في طبيعة كل منهما. فالوعي الماروني ارتبط تاريخياً بجغرافيا سياسية محددة وبفكرة لبنان وبمصير جماعة تعيش داخل حدود واضحة. أما الوعي الممانع فمرتكزه الأساسي ديني وعقائدي، ولذلك يمتلك قدرة أكبر على الاستمرار والتجدد لأنه لا يستند إلى الجغرافيا فقط بل إلى منظومة اعتقادية تتجاوز الحدود والدول.

ومن هنا يصبح الحديث عن إلغاء هذا الوعي أو استئصاله عبر انتفاء سرديّة شرعيّته أمام الرّأي العام المحايد، حديثاً أقرب إلى الأمنيات منه إلى الواقع. فالأفكار العقائدية لا تُمحى بقرار إداري ولا بإجراء أمني، بل تعود للظهور بأشكال جديدة كلما توفرت لها الظروف المناسبة. لذلك فإن الهدف العقلاني للدولة ليس القضاء على هذا الوعي، بل حصره، ثمّ تنظيمه وضبطه ومنعه من التحول إلى سلطة فوق سلطة الدولة.

وقد سبق للبنان أن خاض تجربة مشابهة مع الحزب القومي السوري الاجتماعي. فبعد إعدام أنطون سعادة عام ١٩٤٩، ثم بعد محاولة الانقلاب عام 1961، مارست الدولة اللبنانية سياسة حازمة تجاه كل محاولات فرض مشروع الحزب على الكيان اللبناني بالقوة. لم يختفِ الحزب ولم تختفِ أفكاره، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى تيار سياسي محدود التأثير على طبيعة الدولة اللبنانية وقرارها السيادي.

وهذه هي الخلاصة التي كثيراً ما تغيب عن النقاش العام. فالمشكلة ليست في وجود الوعي الممانع، إذا إنّه موجود و هذا عامل هويّاتي.

بل في حجم تأثيره على الدولة وعلى بقية المكونات اللبنانية. وليس مطلوباً من الدولة أن تدخل في حرب مفتوحة لا نهاية لها ضد جزء من مجتمعها، كما ليس مطلوباً منها أن تستسلم لمنطق الهيمنة الذي قد يحمله أي وعي عقائدي.

المطلوب هو بناء توازن سياسي ودستوري يجعل الدولة المرجعية النهائية الوحيدة، ويمنع أي جماعة من فرض رؤيتها الخاصة على سائر اللبنانيين.

ولعلّ هذا ما يفسر الحاجة إلى إعادة التفكير في شكل الدولة اللبنانية نفسها.

فلبنان، بحكم تعدده التاريخي والثقافي و الطائفي، يحتاج إلى دولة قانون قوية في السيادة والدفاع و لكنّه يحتاج أيضاً إلى مستويات متقدمة من اللامركزية السياسية، عنيتُ حدّ أدنى من الفدرالية و حدّ أقصى من الكونفدرالية، تسمح للجماعات المختلفة بإدارة شؤونها الخاصة من دون تحويل كل خلاف فكري أو عقائدي إلى معركة وجودية على السلطة المركزية.

فليس من الحكمة أن يدفع اللبنانيون جميعاً ثمن الصراعات المفتوحة التي تحملها جماعة معينة، كما ليس من الواقعية الاعتقاد بإمكانية إلغاء تلك الجماعة أو محو وعيها من المجتمع عبر الأطر المركزيّة.

إن السلام مع إسرائيل، إذا تحقق يوماً، قد يكون خياراً سيادياً تتخذه الدولة اللبنانية وفقاً لمصالحها الوطنية.

لكنه لن يؤدي تلقائياً إلى اختفاء الوعي الممانع، لأن هذا الوعي أعمق من الصراع نفسه وأقدم من كثير من تجلياته المعاصرة. ولذلك فإن بناء الدولة يقتضي الفصل بين المسألتين: معالجة العلاقات الخارجية وفق منطق المصالح والسيادة، ومعالجة الوعي الممانع وفق منطق الحسم وحصر التّأثير عبر اللّامركزية.