هشام بو ناصيف

العلاقات الدوليّة وحدود القوّة

4 دقائق للقراءة

بالشكل، لا شيء يجمع بين أخبار الهجمات الناجحة التي تشنّها أوكرانيا على المنشآت النفطية داخل الأراضي الروسية، وإعلان قوات خفر السواحل في تايوان التصدي لتحرشات البحرية الصينية دفاعًا عن سيادة تايوان على مياهها الإقليمية، وأخبار اقتراب الولايات المتحدة وإيران من توقيع تفاهم بينهما. بالجوهر، كل هذه ظواهر مختلفة لمضمون واحد: التفوق العسكري للقوى العظمى لا يضمن دومًا قدرتها على فرض إرادتها على غيرها. تاليًا، فهم العلاقات الدولية يفترض الأخذ في الاعتبار ليس فقط مركزية القوة في صناعة سياسات الدول، بل أيضا حدود القوة التي تمنع غالبًا تحويل التفوق العسكري إلى نصر سياسي.

باتت الحرب الأوكرانية - الروسية اليوم أطول من الحرب العالمية الأولى، علمًا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان توقع قبل سنوات أن تدوم "عمليته الخاصة" بأوكرانيا أسابيع فقط، تنتهي بسقوط العاصمة كييف في قبضته. هل الرقم الذي تتداوله الصحافة الغربية عن خسارة روسيا كل شهر ثلاثين ألف جندي في المعارك مع أوكرانيا دقيق؟ لا أحد يعلم. ولكن الأكيد هو ما يلي: روسيا عجزت عن تحويل تفوقها العسكري، الديموغرافي، والاقتصادي، إلى نصر سياسي يجعل أوكرانيا جرمًا يدور في فلكها، كما دار لبنان يومًا في فلك سوريا الأسد في تسعينات القرن الماضي. هذا كان الهدف السياسي لحرب بوتين. ليست المسألة وحسب أنه فشل في تحقيقه، بل أيضًا أن هذا الفشل شجع دولا أخرى تنظر إليها روسيا كمنطقة نفوذ خاصة بها على التفلت من قبضتها. فكّر بأرمينيا على سبيل المثال.

وإن كانت روسيا فشلت في القضاء على استقلال أوكرانيا السياسي، فالنجاح الأميركي - الإسرائيلي الباهر عسكريًّا ومخابراتيًّا في إيران لم يمنع صمود النظام الإيراني حتى الساعة. نعم، إيران منهكة كشعب ومجتمع. هي خسرت الحرب بمجرد وقوعها، لأن اقتصادها المنهار أصلا بات حالة مستعصية يصعب تعافيها، وقيمة عملتها، ونسبة التضخم، وأرقام البطالة خير دليل. يبقى أن حلم الإطاحة بنظام الملالي لم يتحقق، وسيظل هؤلاء، حتى إشعار آخر، قابعين فوق ركام إيران وعلى صدر شعبها. هنا أيضًا، القوة العسكرية لم تحقق الهدف السياسي، وتقديري أن تغيير النظام الإيراني كان الهدف الأول لإسرائيل، علمًا أن ترامب ما كان ليمانع لو حدث.

في آسيا، ليست تايوان وحيدة في رفض الخضوع للقوة الصينية. الفيليبين تتصارع مع الصين على الحدود البحرية، واليابان تتجه إلى إعادة التسليح بخطى حثيثة. هل تنفّذ الصين تهديدها باستعادة تايوان بالقوة؟ ربما تفعل. ولكن تكرار التهديد بضم تايوان دون الانتقال من الكلام إلى الفعل يعيد تظهير حدود القوة في علاقات الدول ببعضها، بما في ذلك قدرة القوى العظمى على تطويع محيطها المباشر وملعبها الخلفي. نجاح الولايات المتحدة في فنزويلا يبدو هنا كاستثناء يؤكد القاعدة.

كيف نفهم حدود القوة؟ بعض أسبابها ناتج عن تطورات التكنولوجيا العسكرية، خصوصًا "الدرونز" والاستعمال الحربي للذكاء الاصطناعي. لا يهم مثلا أن تملك روسيا دبابات أكثر من أوكرانيا، وعدد جنود أكبر، إن كان بإمكان حفنة جنود أوكرانيين يقبعون أميالا خلف خط الجبهة تثبيت خطوطها عبر أسراب مسيرات قاتلة. أضف إلى ذلك معطى كلاسيكيًّا من نوع تأثير الرأي العام، الذي تتعبه الحروب الطويلة، على صانعي القرار، وهو عامل يؤثر بشكل واضح على القوى العظمى الديموقراطية. هناك أيضًا مسألة من نوع أن قدرة نظام أوتوقراطي، كملالي إيران، على كسر عظام مجتمعه، تعطي النظام هامش مناورة واسعًا في مغامراته الخارجية، لأنه يستطيع سوق بلاده من نكبة إلى نكبة من دون أن تهتز النخبة الحاكمة التي لا تستند إلى الرضى الشعبي أصلا. تعقّد هذه المسألة بالتحديد على أخصام الملالي ترجمة نصرهم العسكري عليهم إلى إطاحة بحكمهم.

ولا يعني ما سبق أن القوة ليست مهمة في تشكيل العلاقات الدولية. القوة أساسها في الحقيقة، لا سيما القوة العسكرية. ولكنها معطى واحد من معطيات أخرى ينبغي أخذها في الحسبان عند مقاربة المشهد الدولي ومحاولة استباق مآلاته.