طارق أبو زينب

الصلابة الإماراتية تنتصر على الابتزاز الإيراني

4 دقائق للقراءة
واصلت الإمارات تثبيت موقعها كعامل استقرار استثنائي (أ ف ب)

لم تعد اعتداءات نظام ولاية الفقيه في إيران على الدول العربية والخليجية أحداثًا معزولة أو أزمات قابلة للاحتواء، بل تحوّلت على مدى أكثر من أربعة عقود إلى سياسة ثابتة تقوم على القمع الداخلي وتصدير الفوضى إلى الخارج وتحويل المنطقة إلى ساحات مفتوحة للابتزاز السياسي والأمني، بالتوازي مع السعي إلى بناء منظومة صاروخية ونووية تُستخدم كأداة تهديد وبقاء سياسي.

في السياق، لم تكن محاولات طهران توسيع دائرة المواجهة عبر استهداف دول "مجلس التعاون الخليجي" والأردن وأربيل سوى محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوّة وإعادة رسم توازنات المنطقة. إلّا أن هذا الرهان اصطدم بواقع مغاير، إذ واجهت الإمارات التصعيد بمنطق الدولة الواثقة بمؤسساتها، المستندة إلى منظومة أمنية متقدّمة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، ما أسقط منذ البداية أي فرصة لتحويل الضغوط إلى مكاسب سياسية أو أمنية.

لم يقتصر الموقف الإماراتي على احتواء التداعيات المباشرة، بل تجاوز ذلك إلى تعزيز التماسك الداخلي وترسيخ صورة الدولة القادرة على امتصاص أشدّ موجات التصعيد من دون اهتزاز. في المقابل، سقط رهان الإرباك الذي حاولت إيران التعويل عليه، فيما واصلت الإمارات تثبيت موقعها كعامل استقرار استثنائي ومركز سياسي واقتصادي قادر على النمو والتأثير، وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

وتشير معطيات أمنية إلى أن النظام الإيراني لا يزال يسعى إلى إعادة تفعيل شبكات وخلايا مرتبطة بأجنداته في دول الخليج العربي، رغم الضربات الأمنية المتلاحقة التي تلقاها خلال الفترة الماضية. فقد نجحت الإمارات والكويت والبحرين في إحباط وتفكيك شبكات وخلايا مرتبطة بـ "حزب الله" و"الحرس الثوري" الإيراني كانت تنشط بصورة سرّية في إطار محاولات لاختراق الساحات الداخلية والتأثير في بعض البيئات المجتمعية. وتعكس هذه الوقائع حدود القدرة الإيرانية على بناء نفوذ مستدام داخل المجتمعات الخليجية، وفي مقدّمتها المجتمع الإماراتي الذي أظهر مستوى متقدّمًا من المناعة الأمنية والاجتماعية والتماسك الوطني، في مواجهة شبكات النفوذ والأدوات غير التقليدية التي تعمل خارج الأطر الرسمية للدول.

توازيًا مع التحصين الأمني، بنت الإمارات منظومة استراتيجية متكاملة للحدّ من تأثير التهديدات الجيوسياسية. ويبرز في هذا السياق خط أنابيب حبشان – الفجيرة الممتد على 406 كيلومترات، والذي ينقل النفط مباشرة إلى خليج عُمان متجاوزًا مضيق هرمز، ما يقلّص قدرة أي طرف على توظيف الجغرافيا كورقة ضغط سياسي أو اقتصادي. كما يشكّل ميناء الفجيرة، بسعته التخزينية التي تتجاوز 70 مليون برميل، أحد أهم مراكز المرونة الاستراتيجية في قطاع الطاقة عالميًا، مدعومًا بمنظومة تشغيلية وأمنية متطوّرة ضمنت استمرارية التصدير وحركة الملاحة رغم التوترات الإقليمية المتصاعدة.

برزت واحدة من أكثر صور الإخفاق الإيراني وضوحًا في قطاع الطاقة، فرغم محاولات طهران توظيف مضيق هرمز في معادلات الصراع الإقليمي، واصل النفط الإماراتي تدفقه إلى الأسواق العالمية من دون انقطاع، مع تسجيل نحو 14 مليون برميل متجهة إلى الأسواق الآسيوية خلال فترة أخيرة. وعزّزت الإمارات بدائلها اللوجستية واستثماراتها الاستراتيجية، بما ضمن حماية مصالحها الوطنية واستمرارية تدفق تجارتها ومواردها الحيوية، الأمر الذي أفقد طهران إحدى أبرز أوراق الضغط التي سعت إلى استخدامها في مواجهة خصومها. انطلاقًا من ذلك، أثبتت الوقائع أن رهانات تعطيل حركة الطاقة وابتزاز الأسواق الدولية لم تعد تمتلك الفاعلية التي كانت تعوّل عليها إيران، وأن أدوات الضغط التقليدية باتت عاجزة عن فرض وقائع جديدة أو تعديل موازين المصالح الإقليمية والدولية.

في المحصّلة، لم تفضِ سياسة التصعيد الإيرانية إلى إضعاف خصومها بقدر ما كشفت حدود قدرتها على التأثير، فبدلا من إرباك الدول الخليجية، أسهمت في تعزيز صلابتها وتسريع استثماراتها في الأمن والبنية التحتية والبدائل الاستراتيجية، وقد خرجت الإمارات من قلب المواجهة أكثر حضورًا وثقة وتأثيرًا، بعدما نجحت في تحويل عناصر الضغط إلى عناصر قوّة، والتحدّيات إلى فرص لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. لذلك، لم يرتدّ التصعيد الإيراني على خصوم طهران كما أرادت، بل ارتدّ على النظام نفسه، كاشفًا حدود أدواته أمام دولة تبني قوّتها على الجهوزية والاستباق وصناعة المبادرة، لا على منطق الأزمات وردود الفعل.