د. أيمن عمر

إلغاء الشهادة الرسمية: شعبوية هدّامة للاقتصاد والثروة الوطنية

6 دقائق للقراءة

لم تعد قضية إلغاء الامتحانات الرسمية في لبنان مجرد نقاش تربوي عابر، بل أصبحت مسألة بنيوية ترتبط بمستقبل رأس المال البشري وبصدقية النظام التعليمي الذي شكّل لعقود إحدى أهم نقاط القوة الوطنية. فكلما واجهت البلاد أزمة أمنية أو سياسية، يُستحضر خيار "الإفادات المدرسية" بوصفه مسكّناً سريعاً لتجاوز الظروف الاستثنائية. غير أن هذا الحل يحمل في طياته خسائر تتجاوز حدود العام الدراسي الواحد لتطال سمعة التعليم اللبناني ومستقبل جيل كامل. ورغم تفهم الظروف القاسية التي تدفع أحياناً نحو هذا الخيار، فإن كلفته التربوية والاقتصادية والاجتماعية ستكون باهظة على المدى الطويل.

أولاً: خسائر اقتصادية مستدامة

قد يبدو إلغاء الامتحانات قراراً إدارياً لتنفيس الاحتقان في لحظة استثنائية، لكنه يحمل انعكاسات اقتصادية بعيدة المدى تتجاوز حدود القطاع التربوي. فالتعليم الجيد يشكل أحد أهم عناصر رأس المال البشري الذي تعتمد عليه الاقتصادات الحديثة في رفع الإنتاجية وجذب الاستثمارات وتعزيز القدرة التنافسية.

فقد قدّر البنك الدولي، في دراسات أُعدّت في أعقاب جائحة كورونا، أن خسائر التعلم الناتجة عن تعطّل التعليم عالمياً قد تحرم الجيل الحالي من نحو 17 تريليون دولار من الدخل المستقبلي. كما تؤكد اليونسكو أن ضعف التعليم يقوّض رأس المال البشري، وهو المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي المستدام وتقليص الفقر وعدم المساواة. أما دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) فتظهر أن تحسن المهارات الأساسية للطلاب يرتبط مباشرة بارتفاع الإنتاجية والنمو طويل الأجل.

وفي الحالة اللبنانية، فإن تكرار منح الإفادات بدلاً من تقييم وطني صارم سيؤدي حتماً إلى:

• تراجع إنتاجية القوى العاملة مستقبلاً نتيجة انتقال الطلاب إلى مراحل أعلى دون امتلاك المهارات الأساسية.

• ارتفاع كلفة التدريب والتأهيل التي ستتحملها الشركات والمؤسسات لتعويض ضعف الكفاءات الوافدة إليها.

• زيادة البطالة المقنّعة بين الشباب بسبب الفجوة الآخذة في الاتساع بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.

• إضعاف القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية التي تبحث عادة عن بيئة تمتلك موارد بشرية مؤهلة وموثوقة.

• تراجع فرص الاقتصاد المعرفي في بلد لطالما اعتبر التعليم أحد أبرز عناصر قوته الناعمة.

إن الاقتصاد لا يُبنى فقط على البنية التحتية والرساميل المالية، بل على جودة الإنسان المنتج. وعندما تُضعف الدولة معايير التقييم والتحصيل العلمي، فإنها عملياً تبدّد أحد أهم أصولها الوطنية: الكفاءة البشرية.

ثانياً: تراجع معيار العدالة وتكافؤ الفرص

تمثّل الامتحانات الرسمية المعيار الوطني الموحد الذي يخضع له جميع الطلاب بغض النظر عن المدرسة، أو المنطقة، أو الوضع الاجتماعي. وعندما يتم الاستعاضة عنها بالإفادات، يصبح التقييم رهينة تفاوت المعايير بين المدارس، حيث تختلف مستويات التصحيح، والرقابة، وأساليب منح العلامات. وبذلك يفقد النظام التعليمي أداة رئيسية في تحقيق العدالة، ويتحول الانتقال بين المراحل التعليمية إلى عملية تعتمد على تقديرات استنسابية لا على مسطرة وطنية موّحدة.

ثالثاً: تعميق فجوة التعلّم التراكمية

بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الانهيار المالي ثم الحرب والنزوح، يعاني الطلاب اللبنانيون أصلاً من فواقد تعليمية هائلة. والامتحانات الرسمية، رغم كل الملاحظات البنيوية عليها، تبقى أداة تشخيصية لا غنى عنها لقياس حجم هذه الفجوات وتحديد مواطن الضعف. أما منح الإفادات الجماعية فيؤدي إلى ترفيع الطلاب إلى مراحل أعلى دون التأكد من امتلاكهم الحد الأدنى من المهارات، مما يراكم الضعف المعرفي سنة تلو أخرى ويخلق جيلاً غير مؤهل أكاديمياً.

رابعاً: ضربة لصدقية الشهادة والقبول الجامعي

لطالما تمتّعت الشهادات اللبنانية بسمعة مرموقة في الجامعات العربية والدولية. إلا أن تكرار منح الإفادات يطرح علامات استفهام كبرى لدى الدوائر الأكاديمية الخارجية حول مستوى الخريجين وآليات تقييمهم. فالشهادة الرسمية ليست مجرد صكّ نجاح، بل هي عملية قياس وطنية للكفايات العلمية. ومع غياب هذا المؤشر، تضطر الجامعات المحلية والدولية إلى إجراء اختبارات تقييم إضافية خاصة بها، أو التشكيك بمخرجات النظام التعليمي ككل، مما يحرم الطلاب المتفوقين من فرص الحصول على منح خارجية تعتمد أساساً على نتائج وطنية موثوقة.

خامساً: تعزيز ثقافة الاستثناء بدل ثقافة الإنجاز

لعل أخطر ما في نهج الإفادات المتكررة هو تكريس نمط تفكير خطير لدى الأجيال الجديدة: "أن النجاح يمكن أن يتحقق دون استحقاق فعلي أو جهد موضوعي". فالتربية ليست مجرد تلقين، بل هي بناء لقيم الجهد، والمثابرة، وتحمل المسؤولية. وعندما تتحول الاستثناءات السياسية والأمنية إلى قاعدة تربوية أصيلة، يفقد الطالب حافز التنافس والتفوق، وتتراجع ثقافة الإنجاز التي يحتاجها أي مجتمع يسعى للنهوض من قاع أزماته.

لا للشعبوية المتسرّعة

في ظل المتغيرات الميدانية المتسارعة، لا يبدو من الحكمة التسرّع في اتخاذ قرار نهائي بإلغاء الامتحانات الرسمية قبل اتضاح الصورة الأمنية بشكل كامل؛ لا سيما مع تزايد المؤشرات إلى إمكانية ضبط الترتيبات اللوجستية، وفي وقت تتمتع فيه غالبية المناطق اللبنانية بقدر من الاستقرار يتيح دراسة البدائل الممكنة. فمثل هذا القرار المصيري يجب أن يُبنى على تقييم موضوعي ودقيق للواقع الأمني واللوجستي، وأن يستند إلى تقديرات الجهات الرسمية المختصة في الدفاع والأمن وإدارة الأزمات، لا إلى الانطباعات أو الضغوط السياسية الآنية. إن القضايا الوطنية المرتبطة بمستقبل مئات آلاف الطلاب تستوجب قرارات مدروسة توازن بدقة بين مقتضيات السلامة العامة وحفظ صدقية التعليم.

بين الضرورة والبديل

لا يعني الدفاع عن الامتحانات الرسمية تجاهل معاناة الطلاب في المناطق المتضررة مباشرة من الحرب أو النزوح. فالتحدي الحقيقي يكمن في الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية المحقة وضرورة الحفاظ على المعايير الوطنية للتقييم، بما يضمن عدم تحميل الطلاب كلفة الظروف الاستثنائية من جهة، وعدم التفريط بجودة التعليم من جهة أخرى. وإذا كان اللجوء إلى الإفادات أمراً اضطرارياً تحت وطأة القوة القاهرة القصوى في محطات سابقة، فإن تحويله اليوم إلى خيار سياسي مستسهَل يشكل خطراً استراتيجياً. المطلوب ليس إلغاء التقييم بحجة الظروف، بل تطويره عبر اعتمادات بديلة: كاختبارات وطنية مرنة، أو تقييمات معيارية موحدة للمناطق المتضررة، أو حلول رقمية حديثة تحفظ عدالة الامتحانات وجاذبيتها في آن واحد.

خاتمة

إن كلفة إلغاء الامتحانات الرسمية لا تُقاس بعدد الطلاب الذين يحصلون على ترفيع استثنائي إلى المرحلة التالية، بل بالشرخ العميق الذي يتركه القرار في جودة التعليم، وثقة المجتمع بالشهادة اللبنانية، ومستقبل الاقتصاد الوطني. الدول التي تطمح للتعافي لا تستطيع الاستغناء عن معايير الجدارة والمحاسبة العلمية. والحفاظ على الامتحانات الرسمية، أو إيجاد بديل وطني صارم لها، هو استثمار إنقاذي في مستقبل لبنان، وليس مجرد استحقاق بيروقراطي سنوي.


أكاديمي وباحث في الشأنين الاقتصادي والسياسي