في لقائه الأخير في قصر الشعب بدمشق مع وفد من وجهاء وأعيان ريف دمشق، تناول الرئيس السوري أحمد الشرع العلاقة مع لبنان بلغة مختلفة عما اعتدنا سماعه خلال العقود الماضية. لم يتحدث عن نفوذ أو وصاية أو أدوار تتجاوز الحدود، بل أكد أن دخول سوريا إلى لبنان لم يعد واردًا، وأن العلاقة بين البلدين يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
كما أشار إلى أن هناك أولويات تسبق اليوم مسألة ترسيم الحدود، من بينها تثبيت الاستقرار، وتحريك عجلة الاقتصاد، والاستفادة من الفرص التي تتيحها المرحلة السورية الجديدة، إضافة إلى معالجة ملف أكثر من مليون وأربعمئة ألف نازح سوري موجودين في لبنان. وفي الوقت نفسه، لم ينفِ أهمية ترسيم الحدود، بل وضعه ضمن الملفات التي تحتاج إلى معالجة هادئة ومسؤولة بين دولتين مستقلتين.
ولم يقتصر كلامه على ملف الحدود والنازحين، بل تناول أيضًا قضية مزارع شبعا، مقاربًا إياها من زاوية مختلفة. فبدلا من الغرق في السجال التقليدي حول ما إذا كانت لبنانية أم سورية، طرح أولوية أخرى تتمثل في أن الأرض ما زالت تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأن استعادتها تبقى المدخل الطبيعي قبل حسم النقاش النهائي حول هويتها القانونية والسيادية.
قد يختلف اللبنانيون حول بعض ما طرحه الشرع، وقد تختلف الأولويات بين بيروت ودمشق، لكن ما استوقفني في كلامه لم يكن فقط ما قاله عن الحدود أو النزوح أو مزارع شبعا، بل ما لم يقله مباشرة: هل يمكن لشعبين حملا كل هذا القدر من الألم المتبادل أن يفتحا صفحة جديدة؟
فاللبنانيون يحملون جرحًا لم يلتئم بعد نتيجة سنوات طويلة من التدخل السوري في الشأن اللبناني. جيل كامل عاش تلك المرحلة واختبرها بكل تفاصيلها، ومن الطبيعي أن يبقى شيء من المرارة والشك في الوجدان الجماعي. وفي المقابل، يحمل كثير من السوريين جرحًا لا يقل عمقًا بسبب تدخل "حزب الله" في الحرب السورية وما رافقه من مآس وانقسامات وآلام.
بين هذين الجرحين تقف دولتان وشعبان أمام استحقاق تاريخي. فالمشكلة لم تعد: من يحكم من؟ ومن يؤثر في من؟ بل كيف يمكن للبنان وسوريا أن يعيشا جنبًا إلى جنب كدولتين مستقلتين، لكل منهما سيادته وحدوده وخصوصيته الوطنية.
أما في ما يتعلق بمزارع شبعا، فقد لفتني أن مقاربة الشرع تفتح بابًا للتفكير أكثر مما تقدم جوابًا نهائيًا. فمنذ سنوات طويلة يتكرر السؤال نفسه: هل هي لبنانية أم سورية؟ لكن ما جدوى استمرار الخلاف حول ملكية أرض ما زالت تحت الاحتلال؟ أليس من المنطقي أن تُستعاد الأرض أولا، ثم يُحسم النقاش القانوني والسيادي حولها؟ فإذا كانت لبنانية عادت إلى لبنان، وإذا كانت سورية عادت إلى سوريا. أما استمرار السجال فيما الأرض لا تزال خارج سيطرة أصحابها، فلا يؤدي إلا إلى إبقاء الملف معلقًا.
غير أن أكثر ما يشغلني ليس ملف الحدود ولا ملف شبعا، بل شيء آخر أكثر عمقًا.
أتذكر أنه منذ ثلاثة أسابيع فقط، كنت أشارك في حفل تخرج ابني في إحدى الدول الأجنبية. وبينما كنا نتبادل الحديث مع عدد من الأهالي بلغة أجنبية، التفتت إلي سيدة كانت تحتفل بتخرج ابنها وقالت لي بتلك اللغة نفسها: "أنا سورية".
استغربت قليلا من سبب قولها ذلك، قبل أن تبتسم وتوضح أنها كانت تتقن العربية منذ البداية، لكنها آثرت عدم الكشف عن هويتها السورية فورًا، خشية أن تتغير نظرتي إليها بعد معرفتها.
ضحكنا معًا، وانتقل الحديث فورًا إلى اللغة العربية. يومها أوضحت لها أن المشكلة لم تكن يومًا مع الشعب السوري، بل مع النظام الذي حكم سوريا لعقود وما تركه من آثار عميقة في لبنان. لكنني، في أعماقي، شعرت بأن كلامها يحمل شيئًا من الحقيقة.
فقد أدركت أن السوريين أنفسهم باتوا يشعرون بما تركه الماضي في نفوس كثير من اللبنانيين، وأن الجراح القديمة لم تلتئم بالكامل، وأن الانتقال من رفض نظام سياسي إلى حكم مسبق على شعب بأكمله كان أحد أخطر انعكاسات تلك المرحلة، رغم أن كثيرًا من السوريين كانوا أيضًا ضحايا لها.
لكن ما بقي معي بعد ذلك اللقاء لم يكن الإدراك المتعلق بالماضي فقط، بل صورة أكثر بساطة ووضوحًا: ابني وابنها في ذلك الحفل، وهما في الخارج يدرسان ويعيشان تجربة مشتركة بعيدة عن ثقل التاريخ بين البلدين. كانا شابين مغتربين يواجهان الحياة كأفراد، بلا خوف أو أحكام مسبقة، وكأن الماضي بكل تعقيداته لا يطال عالمهما المباشر. عندها فقط بدا واضحًا أن ما نحمله نحن من ذاكرة لا يخصنا وحدنا، بل قد ينتقل إلى الأجيال التالية، أحيانًا من دون وعي.
فهل من العدل أن نورّثهم هذا الحمل كما هو؟ أم أن من مسؤوليتنا أن نمنحهم فرصة ليبنوا نظرتهم الخاصة، بعيدًا عن ثقل التجربة التي عشناها؟
ربما لا تكون المشكلة الحقيقية بين لبنان وسوريا هي الحدود التي لم تُرسَم بعد، بل تلك الحدود غير المرئية التي ما زالت قائمة في الذاكرة. فالحدود على الخرائط يمكن ترسيمها. أما الحدود في النفوس، فهي الأصعب.
ومنذ ذلك اللقاء، لم يعد السؤال محصورًا في ملف الحدود أو مزارع شبعا أو النازحين، بل في كيفية تفكيك هذا الإرث الثقيل الذي تراكم في الذاكرة بين اللبنانيين والسوريين عبر عقود. فالعلاقة بين البلدين لا تعاني فقط من تعقيدات سياسية، بل من طبقات من الخوف وسوء الفهم والانطباعات المتبادلة.
وربما يكون الزمن عاملا ضروريًا في التهدئة، لكنه غير كاف وحده. فالمصالحة الحقيقية لا تقوم على محو الماضي، بل على الاعتراف به، ولا على الذوبان المتبادل، بل على تثبيت مفهوم الدولة وحدودها وسيادتها وخصوصية كل طرف.
ولهذا السبب تحديدًا، أعتقد أن مسألة ترسيم الحدود ستبقى، عاجلا أم آجلا، محطة أساسية في بناء الثقة بين البلدين، لأنها تعبّر عن انتقال العلاقة من منطق الالتباس إلى منطق الدولة، ومن إدارة الماضي إلى تنظيم الحاضر.
قد تتبدل التحالفات والاصطفافات الإقليمية والدولية، لكن ما سيبقى أهم من ذلك هو قدرة اللبنانيين والسوريين على بناء علاقة جديدة لا تقوم على استدعاء الماضي، بل على احترام متبادل يفتح الباب أمام المستقبل.
هل حان وقت شفاء الذاكرة؟
لا أدري. لكن عندما يرى اللبناني سوريا دولة تحترم سيادته، ويرى السوري لبنان شريكًا لا خصمًا، عندها فقط يمكن أن تتحول الذاكرة من عبء إلى درس، ومن جرح إلى خبرة مشتركة.
عندها فقط، ربما يصبح شفاء الذاكرة ممكنًا.
أستاذة جامعية