المخرج رمال أبي يونس

من قرر الحرب يريد قطف ثمار التفاوض وسرقة قرار السلام

6 دقائق للقراءة
لا مفاوضات خارج الدولة ولا شرعية للسلاح

في السياسة لا توجد شعارات أو خلافات أبدية، بل أن هناك مصالح عامة هي الأبدية فقط.

اليوم إيران تفاوضت مع الولايات المتحدة حين اقتضت مصالحها بذلك، وواشنطن فاوضت طهران حين رأت أن التفاهم أقل كلفة من الحرب، فالدول الكبرى مهما ارتفع منسوب العداء بينها، تعرف في النهاية أن طاولة المفاوضات ليست عاراً، بل هي أداة من أدوات القوة، وفي النهاية تتبدل الأدوار ويعاد خلط الأوراق من جديد ويبقى اللاعبون أنفسهم على الطاولة حيث يقال : يتحدثون بسوء عن بعضهم ثم يجلسون على الطاولة نفسها وكأن شيئًا لم يحدث.

وهنا ابدأ بالنظام السوري الجديد المعروف بخلفيته الأيدولوجية المعارضة في أدبياتها للأزرق بالمطلق، تراه آثر الإنخراط في مفاوضات مباشرة مع تل أبيب، في إشارة واضحة أنه استطاع اللعب على التوازنات عبر

تغليب مصلحة سوريا على العنتريات الفارغة.

أما في لبنان توقف العدوان، ولكن ما زال البعض يتعامل مع التفاوض وكأنه خطيئة وطنية، إلا إذا كان التفاوض يجري في مكان آخر ولحساب طرف آخر... وهنا تبدأ المفارقة اللبنانية.

الرئيس جوزف عون قالها بوضوح، الحرب عبثية والحل يكون بالتفاوض، والدولة اللبنانية هي التي تتحدث باسم لبنان وهذا ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل قاعدة تأسيسية في مفهوم الدول.

فالمفاوضات لا تحصل بين دولة وحزب، ولا حتى بين دولة ومجموعة مسلحة، المفاوضات تحصل بين دولة ودولة آخرى، والدولة وحدها هي التي توقَع وتلتزم وتتحمل النتائج أمام الشعب والعالم.

لذلك، فإن أي محاولة لفتح قنوات موازية خلف ظهر الدولة، أو إرسال موفدين سياسيين من هنا وهناك إلى عواصم عربية أو إقليمية، لا تعزز موقع لبنان بل تهينه.

لبنان يا سادة ليس دكانا سياسيا ولا حتى بازارا، وهو ليس ملفاً قابلاً للبيع والشراء بين الوسطاء أو ساحة يتفاوض عليها الآخرون ثم يطلبون من الدولة أن تدفع الفاتورة. فإذا كان هناك من تفاوض فليكن باسم الدولة، وإذا كان هناك من اتفاق فليكن لمصلحة الدولة، وإذا كان هناك قرار فليصدر فقط عن الدولة.

أما أن يخوض الحزب كل مرة الحرب ثم يطلب من الدولة وقف النار، وأن يقرر فتح الجبهة ثم يطالب الدولة بإعادة الإعمار، وأن يفرض أثمان للمواجهة ثم يطالب الدولة بإيواء النازحين وتعويض المتضررين،

فعفوا هذه ليست مقاومة هذه مصادرة علنية للدولة ثم مطالبتها بدفع ثمن مصادرتها.

وهنا أطرح سؤالاً أكثر جوهرية لا يطرحه أحد بما يكفي : توقفت الحرب.. نعم

لكن ما ذنب المواطن الذي لم يوافق على الحرب أصلاً ولم يريدها؟

وما ذنب صاحب المؤسسة التي أقفلت أبوابها؟ والموظف الذي خسرعمله؟

والطالب الذي ضاع مستقبله بين النزوح والانهيار؟

والمستثمر الذي هرب من بلد لا يعرف متى يقرر أحدهم فتح جبهة ومتى يقرر إغلاقها؟

هذه الحرب العبثية رهنت مستقبل أجيال كاملة لا علاقة لها بالقرار الذي أدى إليها، ولذلك فإن القضية لم تعد مرتبطة فقط بمن اتخذ قرار الحرب، بل بمن سيدفع ثمنها، فالحرب التي تسببت بقتل أبناء الجنوب لم تتوقف آثارها عند الجنوب فقط، بل هي ضربت الاقتصاد في بيروت، والسياحة في الجبل، والزراعة في الشمال، والتجارة في البقاع والاستثمار في المتن وكسروان.

فعندما تتراجع السياحة وينهار الاستثمار ويهرب أصحاب الأموال والمستثمرون يخسر اللبنانيون جميعاً، وعندما تتراكم كلفة إعادة الإعمار على الدولة يدفع اللبنانيون جميعاً الثمن من ضرائبهم وأموالهم ومستقبل أولادهم. فالشراكة الوطنية لا تعني أن يقرر فريق واحد عن الجميع، ثم يطالب الجميع بالتضامن معه والمشاركة في الخسائرعندما تأتي الفاتورة فقرار الحرب فاتورته لا تُرسل إلى حزب واحد، بل إلى وطن بأكمله.

اما وبالحديث عن اتفاق وقف النار الذي حصل لم يكن هزيمة لفكرة السيادة، بل كان اعترافاً عملياً بأن لا حل خارج الدولة وفوائده كانت واضحة، وقف النزف، فتح الباب أمام عودة تدريجية للنازحين، إعادة تثبيت دور الجيش اللبناني، إعادة تفعيل القرار 1701، ووضع الجنوب تحت منطق الدولة لا تحت منطق السلاح الموازي، ولكن ما قيمة وقف النار إذا بقي قرار الحرب قائماً في يد غير شرعية؟ وما قيمة انتشار الجيش إذا بقي السلاح الآخر قادراً على جر البلد إلى مواجهة جديدة؟ وما قيمة التفاوض إذا كان كل طرف داخلي يريد أن يفاوض وحده ليعود إلى الداخل حاملاً "إنجازاً" يترجمه مقاعد ومناصب وحصصاً ونفوذاً؟

هنا تكمن خطورة ما اراده حزب الله، فهو لا يريد فقط أن يمنع الدولة من التفاوض وحدها، هو يريد أن يكون شريكاً مباشراً في التفاوض لكي يقطف ثمرة الاتفاق في الداخل، يريد أن يقول لجمهوره ولخصومه: أنا من قاتلت، وأنا من فاوضت، وأنا من حصلت على الضمانات، وبالتالي أنا الوحيد الذي يحق لي أن أقبض الثمن السياسي، في تكريس جديد للمنطق الذي آلت اليه الحرب الأهلية في جعل لبنان مقسما بين ميليشيات تتنازع النفوذ والسيطرة.

لكن لبنان لا يمكن أن يقوم على هذه المعادلة، فمن حق الدولة ومن واجبها أن تفاوض، لأنها تمثل جميع اللبنانيين، أما الحزب فلا يمثل إلا نفسه وبيئته السياسية، والجنوب ليس ملكاً للحزب، والطائفة الشيعية ليست صندوق بريد لإيران، ولبنان ليس ورقة في مفاوضات باكستان.

وبعد إنهاء الحرب السؤال الأكثر قسوة هو: من سيعيد البناء؟ الحزب أم إيران التي فاوضت أميركا على مصالحها الكبرى وتخلت عنه مرتين؟ أو الدولة المفلسة التي لم تُستشر في قرار الحرب؟ هل المجتمع الدولي الذي لن يدفع من دون شروط سياسية وأمنية واضحة؟ أم المواطن اللبناني الذي سيدفع مرة جديدة من عمره وضرائبه وودائعه ومستقبله؟

إعادة الإعمار ليست شعاراً إنها مليارات الدولارات ومن يظن أن العالم سيعيد بناء الجنوب فقط لأن حزباً قرر فتح جبهة ثم أغلقها، فهو يقرأ السياسة بعين العاطفة لا بعين الدولة.

العالم لن يدفع مجاناً وأي إعادة إعمار جدية ستكون مشروطة بقيام الدولة، بانتشار الجيش، بضبط الحدود، وبضمان ألا يتحول كل بيت يُبنى اليوم إلى هدف جديد في حرب الغد وهنا تظهر مصلحة لبنان الحقيقية من أي اتفاق مع إسرائيل.

اليوم وبعد تثبيت وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ماذا بقي من مبررات استمرار السلاح والحروب بالوكالة ؟ ليس المطلوب سلاماً احتفالياً ولا تطبيعاً عاطفياً ولا تنازلاً عن الحقوق، المطلوب تسليم السلاح واتفاق واضح يحمي الحدود، ويوقف الاعتداءات، يعيد الأسرى، يثبت الانسحاب من الأراضي المحتلة، ويعالج النقاط المتنازع عليها، ويمنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة لكل حرب إقليمية في كل مرة.

لقد آن الأوان أن يخرج لبنان من ازدواجية قاتلة: دولة تفاوض في العلن، وقوى تفاوض في الظل، رئيس يتحدث باسم الدستور، وزعماء يرسلون موفدين باسم الدكاكين السياسية، وشعب يدفع الثمن، وأحزاب تفاوض على المكاسب.

حان الوقت أن نعيش بسلام وأن يكون لبنان وطن الإنسان..