ريتا عازار

منحوتات ليليا دوموازي: إصغاء إلى نبض الغابة

6 دقائق للقراءة

في المشهد الفني الفرنسي المعاصر، حيث باتت القضايا البيئية تحتل موقعًا متقدّمًا في النقاشات الجمالية والفكرية، تبرز ليليا دوموازي (Lélia Demoisy) كواحدة من الفنانات القادرات على ابتكار علاقة مختلفة مع العالم الحي. وُلدت في باريس عام 1992، وتخرّجت من «المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية» عام 2015، ومنذ ذلك الحين، تبني مشروعًا فنيًا يتجاوز فكرة تمثيل الطبيعة أو الاحتفاء بجمالها البصري. فبالنسبة إليها، لا يكفي أن تكون الطبيعة موضوعًا للعمل الفني، بل ينبغي أن تصبح شريكا فيه.


مائدة الطيور

تتنقّل أعمال ليليا دوموازي بين النحت والتركيب الفني والمشاريع التشاركية والتدخلات في الفضاء العام، لكنها تظلّ وفيّة لفكرة أساسية تتمثل في إعادة التفكير في العلاقة التي تربط الإنسان ببقية الكائنات. فالطبيعة، بنظرها، ليست خلفية صامتة للأحداث، بل شبكة معقّدة من العلاقات المتبادلة التي يتداخل فيها النبات والحيوان والإنسان ضمن منظومة واحدة. ومن هنا تنبع خصوصية تجربتها التي تجمع بين الحساسية الفنية والمعرفة والاهتمام بأشكال الحياة المختلفة.

من أشهر أعمالها مشروع «مائدة الطيور» الذي تحوّل، مع الوقت، إلى علامة فارقة في مسيرتها. تقوم الفكرة على إنشاء طاولة مرتفعة مخصصة للطيور، بينما يقف الزوار أسفلها أو بالقرب منها لمراقبة ما يجري فوقها. وقد يبدو الأمر بسيطًا للوهلة الأولى، غير أنّ العمل يحمل في جوهره انقلابًا هادئًا في الأدوار المعتادة. فالإنسان الذي اعتاد أن يحتل مركز المشهد يجد نفسه هذه المرة في موقع المراقب، فيما تصبح الطيور صاحبة المكان. ومن خلال هذا التبديل، تدعو الفنانة متابعيها إلى النظر من زاوية جديدة إلى المجال المشترك الذي يتقاسمه الإنسان مع الكائنات الأخرى.


الدور البيئي للمنحوتة

تظهر هذه الفلسفة أيضًا في سلسلة من المنحوتات التي صمّمتها دوموازي لتكون مساكن حقيقية للكائنات الحية. فهي لا تكتفي بصنع أشكال جميلة تُعرض في المتاحف أو الحدائق، بل تنشئ هياكل قادرة على احتضان الطيور والحشرات وبعض الحيوانات الصغيرة. وعندما تستقر هذه الكائنات داخل العمل الفني، يصبح وجودها جزءًا من اكتماله، إذ لا تؤدي المنحوتة هنا وظيفة جمالية فحسب، وإنما تكتسب دورًا بيئيًا ملموسًا.

والملاحَظ أنّ للطيور مكانة خاصة في عالم دوموازي، فهي حاضرة باستمرار في مشاريعها المرتبطة بالهجرة واختفاء المواطن الطبيعية. غير أنّ الفنانة الشابة لا تتعامل مع الطيور بوصفها رمزا شعريًا للحرية، بل تنظر إليها باعتبارها مؤشرات حساسة على التحوّلات التي تصيب الكوكب. فالطرق التي تسلكها الطيور المهاجرة، والعوائق التي تفرضها المدن المتوسعة، والتبدّلات المناخية التي تؤثر في أنماط عيشها، كلّها عناصر تتحوّل إلى مادة للتأمّل الفني. ولا يتوقف اهتمام الفنانة عند الطيور، بل يمتد إلى عالم الحشرات الملقّحة التي تؤدي دورًا أساسيًا في استمرار الحياة النباتية. ففي عدد من مشاريعها صمّمت منشآت تتيح لهذه الكائنات إيجاد أماكن للتعشيش والتكاثر. ومن خلال هذه الأعمال، تلفت الانتباه إلى أهمية مخلوقات غالبًا ما تدور حول الناس من دون أن يلاحظوها. لكن دوموازي لا تفعل ذلك عبر الخطاب المباشر، وإنما من خلال ابتكار تجارب تجعل حضور هذه الكائنات محسوسًا ومرئيًا.


عمارة الكائنات الأخرى

ويشكّل الفضاء العام، بدوره، جزءًا مهمًا من الممارسة الفنية لليليا دوموازي. فقد أنجزت مشاريع متعدّدة في الحدائق والمتنزهات والمجالات المفتوحة، حيث تترك أعمالها لتتفاعل مع المناخ والفصول والنباتات والحيوانات. وبدل مقاومة التغيّرات التي تطرأ عليها، تتقبّلها وتعتبرها جزءًا من هوية العمل. فالنبات الذي ينمو حول المنحوتة، والطائر الذي يعشش فيها، والظل الذي يتبدّل مع مرور الوقت، كلّها عناصر تشارك في صياغة التجربة الجمالية. ومن أكثر الجوانب إثارة في تجربتها اهتمامها بما يمكن تسميته «عمارة الكائنات الأخرى»، إذ إنها تستعير بعض مبادئ العمارة لتصميم هياكل موجّهة إلى سكان غير بشريين. والسؤال الذي يقود هذه التجارب بسيط في ظاهره: كيف يمكن البناء لكائنات تختلف عن الإنسان في الحاجات والإدراك وأنماط العيش؟ عبر هذا السؤال، تفتح دوموازي مجالا للتفكير في أشكال جديدة من التعايش، وتدعو إلى إعادة النظر في الطريقة التي ينظّم بها الناس فضاءاتهم المشتركة.

ومشاريع دوموازي لا تنحصر في الجانب الفردي من الإبداع، إذ كثيرًا ما تعمل بالتعاون مع السكان المحليين والجمعيات والمدارس والمتخصصين في العلوم الطبيعية. في هذه الحالات، يتحوّل العمل الفني إلى تجربة جماعية تتقاطع فيها المعارف والخبرات المختلفة. فالفن، بالنسبة إليها، ليس نتاجًا معزولا داخل مرسم مغلق، بل عملية اجتماعية وثقافية تساهم في تعزيز العلاقة بين الإنسان وبيئته. وقد حظيت هذه المقاربة باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة، فشاركت في معارض وإقامات فنية داخل فرنسا وخارجها، ونالت عددًا من الجوائز المرتبطة بالفن والتصميم البيئي. وأسهمت هذه التجارب في ترسيخ حضورها ضمن الجيل الجديد من الفنانين المهتمين بالعلاقة بين الإبداع والعالم الحي.


«النسل» والأرزة المفقودة

في أعمال ليليا دوموازي الأخيرة، يتجلّى انشغالها المتزايد بعالم النباتات والغابات. ففي معرض أقيم في «Le Domaine de Chamarande»، ظهرت منحوتات تستلهم أشكالها من أعماق المملكة النباتية، حيث تتداخل الأغصان والقشور الخارجية للأشجار والبذور مع عناصر تستحضر الأجساد الحيوانية. وتبدو هذه الأعمال كما لو أنها تكشف عن قرابة خفية بين مختلف أشكال الحياة. وتقول الفنانة إنّ الغابة ليست مجرّد مشهد طبيعي، بل كيان حي يتكوّن من شبكة لا تنتهي من العلاقات والتبادلات.

وتجسّد سلسلة «النسل» هذه الفكرة بطريقة لافتة، فقد وُلدت بعد قطع شجرة أرز من نوع «Cedrus deodara» كانت الفنانة مرتبطة بها عاطفيًا. وبدل التسليم بفكرة الفقدان، قرّرت جمع ما أمكنها إنقاذه من الشجرة، من القشرة الخارجية والأغصان إلى حبوب اللقاح والبذور. ومن تلك البذور أنبتت مئتَي شتلة صغيرة وضعتها في أوعية خاصة، لتتحوّل كل واحدة منها إلى عمل فني يتطوّر مع الزمن. لم تعد الشجرة الغائبة مجرّد ذكرى، بل أصبحت غابة محتملة تتكاثر وتستمر عبر الأجيال.

ومن الجوانب اللافتة في تجربة دوموازي اهتمامها بعنصر الزمن داخل العمل الفني. فهي لا تنظر إلى المنحوتة بوصفها شكلا ثابتًا مكتملا، بل ككائن يتغيّر مع الوقت. فالنباتات تنمو حول الأعمال، والكائنات الحيّة تتفاعل معها، كما تترك العوامل الطبيعية آثارها على المواد المستخدمة. وبذلك يصبح التحوّل جزءًا من العمل نفسه، في إشارة إلى أنّ الطبيعة لا تعرف الثبات، وأنّ الجمال قد يتجلّى أحيانًا في التغيّر المستمر.

في نهاية المطاف، تطرح ليليا دوموازي تصوّرًا مختلفًا لِما يمكن أن يكونه الفن في زمن الأزمات البيئية. فهي لا تكتفي بالتنبيه إلى الأخطار التي تهدّد العالم الطبيعي، بل تحاول أن تجعل من العمل الفني مساحة فعلية للتعايش والتفاعل. ومن خلال هذا المسار، تبتكر لغة خاصة بها، لغة تنمو من داخل الطبيعة وتتشكل معها، ولهذا تبدو أعمالها أشبه بكائنات حيّة تتنفّس داخل بيئاتها، وتذكّر الإنسان بأنه جزء من نسيج واسع من العلاقات التي تمنح الحياة معناها واستمرارها.