ريتا عازار

منحوتات رضا آرامش: حين يواجه الرخام عنف الصورة

6 دقائق للقراءة

يحتلّ الفنان الإيرانيّ - البريطانيّ رضا آرامش (Reza Aramesh) موقعًا فريدًا داخل مشهد الفن المعاصر، حيث تتقاطع في أعماله أسئلة الجمال مع قضايا العنف والسُّلطة وتمثيل الجسد. منذ خروجه المبكّر من مدينة شيراز الإيرانية واستقراره في المملكة المتحدة، لم يكن انتقاله الجغرافيّ مجرّد هجرة، بل تحوُّلًا فكريًّا عميقًا انعكس بوضوح في مشروعه الفني. كما أنّ دراسته في "كليّة بليموث للفنون" ثم في "غولدسميث" في لندن، وهي بيئة معروفة بنزعتها التجريبيّة، منحته أدوات فكريّة وجماليّة مكّنته من تطوير لغة بصريّة دقيقة، تقوم على التقاطع بين الكلاسيكيّ والمعاصر.

ومن الزوايا التي تضيف المزيد من العمق إلى تجربة آرامش علاقته المعقّدة بفكرة الهويّة. فهو يرفض أن يُختزل عمله في كونه تعبيرًا عن خلفيّته الإيرانية أو تجربته كمُهاجر، رغم أنّ هذه العناصر تشكّل جزءًا من مساره الشخصي. بالنسبة إليه، الهويّة ليست ثابتة، بل حالة تَشكُّل مستمر، تتأثر بالتنقّل والتجربة والانفتاح على ثقافات متعددة. ينعكس هذا الموقف في أعماله التي تتجنب أي علامات قومية أو ثقافية واضحة، لتبقى مفتوحة على تأويلات متعددة. بهذا المعنى، يسعى رضا آرامش إلى إزالة كلّ ما يدلّ على انتماءات الجسد، كالزيّ أو الرموز، ليصبح التركيز على الجسد في وضعيّته وحدها، بوصفه حاملًا لحالة جسدية قابلة للتكرار في سياقات مختلفة، من السجن إلى التهجير.


الجسد يحمل المعنى

ما يميِّز أعمال آرامش ليس فقط موضوعاتها، بل الطريقة التي يعالجها بها. فهو غالبًا ما ينطلق من صُوَر فوتوغرافية مأخوذة من وسائل الإعلام، توثِّق لحظات عنف، أو اعتقال، أو صراع، لكنه لا يُعيد إنتاجها بشكل مشابه. وبدلًا من ذلك، يعيد بناء المشهد باستخدام نماذج بشرية، ثم يحوّله إلى منحوتات مصقولة بعناية، غالبًا ما تكون من الرخام أو الخشب. هذه العملية ليست تقنية فحسب، بل تصوُّرية أيضًا، إذ تتضمن إزالة التفاصيل السياقية، مثل الزي العسكري أو الموقع الجغرافي، ليبقى الجسد وحده بوصفه حاملًا للمعنى.

بهذا الأسلوب، تتحوّل الصورة الإخبارية العابرة إلى شكل دائم، وتُنزَع من زمنها لتصبح أقرب إلى نموذج إنساني عام. وهنا يكمن أحد أهم رهانات آرامش، وهو نقل العنف من لحظة استهلاكية سريعة إلى تجربة تأملية بطيئة. فالمتلقي لا يعود يستهلك الصورة كما يفعل في وسائل الإعلام، بل يجد نفسه أمام عمل يتطلب نفَسًا طويلًا، وربما إعادة التفكير في علاقته بما يراه.

سلسلة "Action" التي قدّمها الفنان المولود عام 1970، تُعدّ من أبرز تجليات هذا التوجّه. كلّ عمل فيها يستند إلى حدث حقيقي، إنما يُعاد تشكيله بحيث يفقد خصوصيته المباشرة ويكتسب بُعدًا كونيًا. الأجساد في هذه الأعمال ليست بطوليّة ولا منتصرة، بل منحنية، مقيَّدة، أو في حالة سقوط. ومع ذلك، تُعرض ضمن تكوينات جمالية تستلهم النحت الكلاسيكي اليوناني والروماني، من حيث التوازن والدقة والاهتمام بالتفاصيل التشريحية. هذا التناقض بين الشكل والمضمون هو جوهر تجربة آرامش، فالجمال هنا لا يُستخدَم للاحتفاء، بل لخلق حالة من الالتباس. إذ قد ينجذب المُشاهد أولًا إلى نعومة الرخام وانسيابية الخطوط، قبل أن يُدرك أنّ ما يراه هو تجسيد للعنف أو للإذلال. فيُولِّد هذا الإدراك المتأخر شعورًا بعدم الارتياح، لأن العين وقعت في "فخ" الجمال قبل أن تعي حقيقة الموضوع.


الكوريغرافيا الصامتة

الجسد في أعمال آرامش ليس موضوعًا تصويريًّا، إنما ساحة سياسية. فهو يُعيد التفكير في تمثيل الجسد الذكوري تحديدًا، بعيدًا عن الصُّوَر التقليدية المرتبطة بالقوة والسيطرة. بدلًا من ذلك، يُقدِّم أجسادًا مكشوفة، خاضعة، أو في حالة ضعف. وهذه المعالجة تقلب الموروث البصريّ رأسًا على عقب، وتفتح المجال لقراءة الجسد ككيان يتعرّض للضبط والمراقبة من قِبَل أنظمة السلطة.

تتجلّى هذه الفكرة بوضوح في اهتمامه بالإيماءة الجسدية، فكلّ وضعيّة، أو انحناءة، أو امتداد للأطراف يحمل دلالة دقيقة. الأذرع المرفوعة قد تشير إلى الاستسلام، والظهر المنحني إلى الضغط، والأيدي المُقيَّدة إلى غياب الحريّة. هذه "الكوريغرافيا" الصامتة تجعل من الجسد لغة قائمة بذاتها، تتحدث من دون الحاجة إلى سرد مباشر. إلى ذلك، يلعب الصمت دورًا أساسيًا في أعماله. تبدو منحوتاته كأنها مجمّدة في لحظة خارج الزمن، بلا بداية أو نهاية واضحة. هذا التعليق الزمني يدفع المُشاهد إلى ملء الفراغ السرديّ بنفسه، فيصبح شريكًا في بناء المعنى. وهنا يتحوَّل التلقّي من عملية مُشاهَدة سلبية إلى تجربة ذهنية وأخلاقية مُعقَّدة.


الرخام والذاكرة

في عمله الشهير "Action 105"، تتشكّل هذه العناصر بشكلٍ مُكثَّف. تبرز مجموعة من الأجساد الذكورية متشابكة في تكوين يوحي للوهلة الأولى بمشهد كلاسيكي، لكن سرعان ما ينكشف أنه يعيد بناء لحظة اعتقال عنيفة لمهاجرين. إزالة التفاصيل المباشرة تجعل المشهد غير مرتبط بمكان أو زمان محدّدَين، وكأنّه تكرار محتمل في أيّ سياق سياسي. هذا التعميم لا يخفف من حدّة العنف، بل يوسعه ليشمل تجارب إنسانية متعددة.

اختيار الرخام في هذا العمل ليس بريئًا، فهو مادة ارتبطت تاريخيًا بالخلود والذاكرة الرسمية. حين يستخدم رضا آرامش هذه المادّة لتجسيد لحظات عنف معاصرة، فإنه يطرح سؤالًا ضمنيًا: ما الذي يستحق أن يُخلَّد؟ ومَن يقرِّر ذلك؟ بهذه الطريقة، يصبح العمل ليس فقط تمثيلًا للعنف، بل نقدًا لكيفية تمثيله وحفظه.

يمكن فهم موقع آرامش بشكل أوضح من خلال مقارنته بفنانين آخرين. على سبيل المثال، يشترك مع النحات الفرنسي الشهير أوغست رودان في الاهتمام بالتعبير الجسدي، لكنه يذهب نحو صقل أعمق، وإزالة آثار العمل اليدويّ، ليمنح منحوتاته طابعًا أقرب إلى الكمال الكلاسيكيّ. أما على المستوى المفاهيمي، فيمكن مقارنته بالفنان الصيني Ai Weiwei، إذ يشتركان في الاهتمام بقضايا السلطة والقمع، لكن آرامش يبتعد عن الخطاب المباشر، مفضِّلًا الغموض والتأمل.

وفي حواراته الصحافية، يؤكد آرامش أن اهتمامه لا ينطلق من موقف سياسي مباشر، بل من رغبة إنسانية في فهم "لغة المعاناة المشتركة". هذه اللغة، كما يراها، تتجاوز الحدود والثقافات، وتظهر في صُوَر العنف التي تغمر العالم المعاصر. لكنه يعتقد أنّ كثرة هذه الصُّوَر جعلتنا نفقد حساسيّتنا تجاهها، ومن هنا تأتي محاولته لإبطاء عملية التلقي وإعادة شحنها بالمعنى.


البُعد الواقعي

أحد الجوانب اللافتة لممارسة رضا آرامش فنّه هو اعتماده على ورش عمل وحرفيّين متخصّصين، خصوصًا في نحت الرخام. هذه الطريقة تعيد إحياء تقاليد فنية قديمة، حيث كان العمل الفني نتيجة جهد جماعي. ومع ذلك، يحتفظ الفنان بالتحكّم في الرؤية النهائية، ما يخلق توازنًا بين الحرفة والفكرة. كما أنّ اختياره للنماذج البشرية يتمّ من الحياة اليومية، ما يُضفي على أعماله بُعدًا واقعيًّا خفيًّا. فأي شخص قد نراه في المقهى أو في الشارع يمكن أن يتحوَّل إلى منحوتة تحمل دلالات كونية. يعكس هذا التحوّل من العادي إلى الرمزي قدرة الفنان على استخراج المعنى من التفاصيل اليومية.

في النهاية، لا يُقدِّم آرامش العنف بوصفه حدثًا استثنائيًّا، بل كصورة قابلة للتكرار، تُنتزَع من سياقها لتواجهنا بوضعيّة جسديّة عارية من أيّ تحديد. بهذا المعنى، المشكلة ليست في الصُّوَر التي نراها، بل في السرعة التي نتجاوزها بها.