الدكتور سايد حرقص

متى يستقيل لبنان من وظيفة «الساحة»؟

4 دقائق للقراءة

​يصعب فهم كثير من محطات التاريخ اللبناني الحديث من دون التوقف عند مفهوم يكاد يختصر جانباً كبيراً من أزمات البلاد المتعاقبة: وظيفة «الساحة».

​فلبنان، منذ وقع قائد الجيش العماد إميل البستاني، ممثلاً الدولة اللبنانية، "اتفاق القاهرة" عام 1969، فتح الباب على مصراعيه للتداخل بين القرار اللبناني والصراعات الدائرة خارج حدوده، مما حوّل البلاد شيئاً فشيئاً إلى ساحة للنزاعات الإقليمية، تتجاوز قدرة الدولة ومصالحها وإمكاناتها. لم يكن لبنان أول دولة تتأثر بالصراع العربي الإسرائيلي، لكنه كان من أكثرها تعرضاً لنتائجه المباشرة على أرضه ومجتمعه ومؤسساته.

​على امتداد العقود التالية، تبدلت العناوين وتغير اللاعبون. انتقلت البلاد من مرحلة إلى أخرى، ومن نفوذ إلى نفوذ، ومن مشروع إلى مشروع. إلا أن النتيجة بقيت متشابهة إلى حد بعيد: تراجع دور الدولة لمصلحة قوى وأجندات عابرة للحدود، وتزايد ارتباط الداخل اللبناني بموازين القوى الإقليمية، أكثر من ارتباطه بحاجات اللبنانيين أنفسهم.

​في الوقت الذي اختارت فيه أغلبية دول الشرق الأوسط الاستثمار في بناء المؤسسات والاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا، بقي لبنان غارقاً في بحيرة الموت والدم، ومنشغلاً بإدارة تداعيات الصراعات الخارجية التي تدور على أرضه أو باسمه. وهكذا تشوهت صورة لبنان من "سويسرا الشرق" إلى "جهنم"، وتراكمت الخسائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما تراجعت فرص بناء دولة مستقرة وقادرة على إنتاج مستقبل مختلف لأبنائها.

​بعد تطبيق "اتفاق الطائف" الذي كان يهدف ظاهرياً إلى إخراج لبنان من وظيفة "الساحة" وإعادته إلى دوره الطبيعي كدولة تواكب التطور الإنساني، لعبت مصالح الأمم والاحتلال السوري دوراً أساسياً في إعاقة هذا التحول. وبحسب تصريحات العماد إميل لحود، فقد لعب دوراً محورياً يوم كان قائداً للجيش سنة 1993 في دعم "حزب الله" ورفض قرارات حكومية بحله، مما جعل لبنان بشكل غير معلن أمام توقيع "اتفاق قاهرة" جديد، مع تغيير النكهة من عربية إلى إيرانية.

​وبعد انسحاب إسرائيل سنة 2000 والانسحاب السوري سنة 2005، كان لبنان أمام فرصة استثنائية للخروج من دوامة "الساحة" إلى فضاء الدولة، ولكن تحالف المافيا والميليشيا حال دون ذلك. فدخل لبنان في دوامة جديدة بلغت ذروتها في ما عُرف بـتوقيع "تفاهم مار مخايل" بين السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون، الذي كان بمثابة "اتفاق قاهرة" جديد، مما قاد البلد إلى أكبر انهيار اقتصادي، وصولاً إلى الدخول في حميم أصعب وأخطر الحروب مع اسرائيل.

​إن الخروج من وظيفة "الساحة" لا يعني الانعزال عن محيط لبنان العربي أو تجاهل القضايا الإقليمية التي تؤثر فيه، كما لا يعني التخلي عن التضامن مع الشعوب أو القضايا العادلة. بل يعني، ببساطة، إعادة ترتيب الأولويات بحيث يصبح الحفاظ على الدولة ومؤسساتها واستقرارها شرطاً لأي دور أو موقف أو سياسة.

​فالدول الناجحة لا تُقاس بقدرتها على الانخراط في صراعات الآخرين، بل بقدرتها على حماية مصالح مواطنيها. والسيادة لا تكتمل بالشعارات، وإنما بوجود سلطة واحدة تحتكر القرار الأمني والعسكري والسياسي، وتملك وحدها حق تحديد اتجاهات البلاد الكبرى.

​من هنا، يبدو السؤال المطروح اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: متى يستقيل لبنان من وظيفة الساحة؟

​الجواب يرتبط أولاً بقرار لبناني داخلي يعيد تعريف وظيفة الدولة وحدود دورها ومصالحها. فحين يصبح لبنان مشروع دولة لا ساحة مشاريع، وحين يقدّم المواطن مصلحة وطنه على رهانات وأوهام المحاور، وحين تُبنى السياسات انطلاقاً من حاجات اللبنانيين لا من حسابات الآخرين؛ عندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ فعلاً رحلة الخروج من وظيفة "الساحة" إلى موقع الدولة.