الشيخ وسام سليقا

رأس السنة الهجرية... حين تحوّل الزمن إلى رسالة

3 دقائق للقراءة

رأس السنة الهجرية هو وقفة أمة أمام أعظم درس في صناعة التاريخ.

فالهجرة لم تكن انتقال جسدٍ من مكان إلى مكان فحسب،

وإنما كانت انتقال فكرةٍ من الاضطهاد إلى الحرية، ومن الاستضعاف إلى القوة، ومن المعاناة إلى صناعة الحضارة.

ولهذا لم يبدأ المسلمون تاريخهم بيوم مولد النبي ﷺ، ولا بيوم وفاته، ولا بيوم انتصارٍ عسكري، بل بدأوه بالهجرة، لأن الأمم العظيمة تقاس بما تمتلكه من قدرة على التحول والتجدد والانبعاث.

إن المعنى القرآني للهجرة أوسع من حدود المكان.

فالقرآن يدعو الإنسان في كل عصر إلى أن يهاجر من الجهل إلى العلم، ومن الأنانية إلى الإيثار، ومن الكراهية إلى المحبة، ومن الظلم إلى العدل، ومن ضيق الأفق إلى رحابة الإنسانية.

وما أحوج عالمنا اليوم إلى هذه الهجرة المعنوية، بعدما كثرت الأسوار بين القلوب، وازدادت المسافات بين الإنسان وأخيه الإنسان.

إن رأس السنة الهجرية مدرسة للمراجعة.

ففي مطلع كل عام جديد ينبغي أن يقف الإنسان أمام نفسه كما يقف المسافر عند بداية الطريق،

يسأل قلبه: ماذا ربحت من إنسانيتي؟ وماذا أضفت إلى أخلاقي؟

وماذا زرعت في أرض الحياة من خير؟

فالسنون لا تُقاس بعدد أيامها، بل بما تركته في الأرواح من أثر.

وارتقت فيه في مدارج الاخلاق.

والأعمار تُحسب بما امتلأت به من معنى إنساني .

ومن هنا تتجلى عظمة الهجرة؛ لأنها تعلمنا أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل.

فلا يمكن لأمة أن تغير واقعها حتى تغير ما في نفوس أبنائها.

ولا يمكن لمجتمع أن يبلغ النهضة إذا بقي أسير صراعاته وأوهامه.

لقد كانت الهجرة إعلانًا قرآنيًا خالدًا أن الإنسان قادر على صناعة مستقبله إذا امتلك الإيمان والعلم والإرادة.

وفي هذا المعنى تتجلى الآية العظيمة:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

إن رأس السنة الهجرية يدعونا إلى أن نهاجر من الأقوال إلى الأفعال، ومن الأمنيات إلى الإنجازات، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن ثقافة اللوم إلى ثقافة المسؤولية.

فالأمة التي تفهم الهجرة ومعانيها. تستلهم منها القوة لبناء المستقبل.

وإذا كانت الهجرة قد بنت في الأمس مجتمعًا استطاع أن يحمل رسالة الرحمة إلى العالمين،

فإن رسالتها اليوم أن نبني الإنسان قبل البنيان، والقيم قبل المصالح، والضمير قبل السلطة.

فكل سنة هجرية هي سؤال إلهي متجدد:

ماذا فعلت بما أُعطيت من أيام؟

وماذا صنعت بما أُودع فيك من طاقات؟

وماذا تركت للناس من أثرٍ طيب يبقى بعد رحيلك؟

في مطلع هذا العام الهجري الجديد، لنجعل من الهجرة منهجًا ،

ومن التقوى سلوكًا ، ومن الرحمة رسالة، ومن الأخلاق هوية.

فالهجرة الحقيقية أن تنتقل الأرواح من ظلمة الأنانية إلى نور الإنسانية.

وكل عام والأمة العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء أقرب إلى الحق، وأوسع رحمة، وأعمق حكمة، وأجمل أخلاقًا.

فهكذا أراد القرآن للإنسان أن يكون، وهكذا أرادت الهجرة للتاريخ أن يُكتب.

كل عام ووطني الحبيب لبنان وشعبه بألف خير.

رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز
الشيخ وسام سليقا