المحامي محمد آصف ناصر

ما مات لن يموت

12 دقيقة للقراءة

في مسلسل صراع العروش (Game of Thrones) الشهير، ينتمي ثيون غرايجوي (زيك) إلى مملكة جزر الحديد التي تمارس القرصنة بأسطول مهيب تغلق به المضائق وتملأ بسفنه في الموسم الأخير خليج العاصمة Kingslanding قبل أن يقضي دروغون التنين على الأسطول ويحيله إلى رماد. شعار جزر الحديد ما مات لن يموت That is dead may never die.

هذا الشعار ينطبق على كتيبة حبيب وسفراء مجتبى خامئني الأربعة، كما يتبيّن من مقابلة محسن رضائي مع قناة الــCNN بتاريخ 5 حزيران 2026: إذ تجنَّب الإجابة عن حالة مجتبى، وانتقل مباشرة إلى استبعاد لقاء مجتبى خامنئي بدونالد ترامب، وهذا الجزم الفوري يظهر في علم الكلام أنه لا يوجد وراء محسن رضائي مطلب، فهو الذي قرر وحسم وجزم فورًا ودون أن يشير حتى إلى استئناس رأي المرشد، (المفترض أنه مستشاره)، فكانت صيغة السؤال: 

- فريد بليتغن (CNN): أنت مستشار المرشد الأعلى، كيف حالته الصحية، هل هو يسيطر بشكل كامل على كل شيء؟ صرّح الرئيس ترامب مؤخراً بأنه سيكون "فخوراً بلقاء المرشد الأعلى هل هذا اللقاء ممكن؟

- محسن رضائي: "هذا لن يحدث مطلقاً. نحن لا نزال في المراحل الأولى من المفاوضات، والسيد ترامب هو من أوصل المفاوضات إلى الجمود. لذلك، هذا لن يحدث".

من يتابع المقابلة بدقة، وطريقة التعبير، يكتشف أن اللواء محسن رضائي، يتحدث عن قائد واحد، هو آية الله علي الخامنئي، ويسميه الإمام، ولم يتطرق لذكر مجتبى أبدًا، وكأن الصمت الاستراتيجي لا يقف عند حالة مجتبى الصحية، بل يأتي في سياق ما حدث في 08/05/2026 عندما تدخل رئيس السلطة غلام حسين محسني إيجئي، (الذي يشكل بموجب المادة 111 من الدستور الإيراني مع رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان وأحمد جنتي، لجنة تتولى مهام المرشد الأعلى في حالة عجزه أو وفاته) في مسعاه لمكافحة التسريبات عن خلافات بين أجنحة السلطة في طهران. غير ان هذا المسعى لم ينجح في طمس الخلاف التي أبرزته تظاهرات المتشددين المعترضة على إبرام مذكرة التفاهم.

مرگ بر عراقچی، سازشکار بی‌غیرت/نفوذی! 

(الموت لعراقجي، المساوم عديم الشرف/العميل المخترق!)

هكذا صدحت ساحات طهران، في 11، 12، 13 و14 حزيران 2026، ولاقتها المسيّرات الانقضاضية في جنوب لبنان التي لم تطلق على معادلة الضاحية مقابل كريات شمونة بل اطلقت على مذكرة التفاهم، ففيما كان نتانياهو يركز على المعادلة الأولى صب ترامب غضبه على نتانياهو لأن الأخير من حيث لا يدري، وكأنه لا علم له بما يجري في أروقة التفاوض، أطلق النار بدوره على مذكرة التفاهم ولكن محسن رضائي فضَّل ال 12 مليار دولار ولم ينساق وراء "المخربين"، وجي دي فانس لاقى محسن رضائي ما دام الأموال لن تخرج من حيازة "دافعي الضرائب الاميركيين". 

من يقرأ بهدوء وروية التصريحات الثلاثة: ترمب في الطائرة متجها إلى إيفيان، جي دي فانس مع قناة الــCNBC (التابعة لشبكة NBC Universal، والتي يتبع لها برنامج Meet the Press الذي استقبل ترمب تحت المطر وقرب جرار زراعي، واستعملت فيه Kristen Welker أسلوبا ضغط على عصب حساس لدى ترمب اخرجه عن هدوءه) ومقابلة محسن رضائي مع الــCNN (المعادية لترمب) يستطيع تبين ما يلي:

1- ستسلم إيران البرنامج النووي والأذرع الاقليمية؛

2- قطر دخلت كوسيط قوي، وربما كضامن مالي (Escrow Agent) لحل مسألة المليارات الكورية الستة المحتجزة في بنوك قطر منذ العام 2023، فهذه المليارات التي احتجزتها كوريا الجنوبية في العام 2018 في بنك "ووري" وبنك "صناعة كوريا"، يفترض أن تحل مسألتها على اثر توقيع الاتفاق يوم الجمعة 19 حزيران 2026.

3- الـــBreak Up Fee (البند الجزائي) 24 مليار دولار من أموال "الشعب الإيراني" المحتجزة في المصارف العالمية (الحديث عن 400 مليار من أحلام فرقة محمود قماطي للذباب الالكتروني، فتقرير رويترز تحدث عن استثمارات وقروض قد تصل إلى 300 مليار إذا التزمت ايران بالتفاوض عن حسن نية في فترة الستين يوما وتم التوصل إلى اتفاق ومع هذا فقد تم نفي هذا الطرح من قبل الأميركيين)؛

4- سيفتح المضيق بضمانة مجموعة الـ15 التي سترسل أسطولا بحريا سيعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة، ومع هذه الخطوة لن يستطيع الحرس الثوري إغلاق مضيق لوكربي مرة أخرى، مهما كانت نتائج الستين يوم ومذكرة التفاهم.

5- لن تتدخل الولايات المتحدة في تغيير النظام وستجلس لتتفرج على آثار "الصدع الكبير"، فجي دي فانس قالها صراحة أهلا بكم في الاقتصاد العالمي وفي الشرق الأوسط الجديد إن تخليتم عن أذرعكم، وقال محسن رضائي أنه يسعى لأفضل العلاقات مع الولايات المتحدة إن هي توقفت عن تقديم مصالح إسرائيل على مصالح الشعبين الاميركي والإيراني. وهنا أجاب فانس: سيكون لإسرائيل كرسي على الطاولة

في إطار ترتيبات الـG7 لضمان سلامة الملاحة في مضيق هرمز، برز تصريح للمستشار الألماني قال فيه إنه يتوجب على إيران توقيع مذكرة التفاهم، وكأن هناك تعنتًا إيرانيا أو رفضًا لتوقيع هذه المذكرة، وكأن إيران تطالب بأكثر من المتاح كأن تشارك في مشروع ممر داود.

ممر داود أم الـIMEC المعدل؟

في قمة الــG7، تم تحديد أطر جديدة لتسويات الشرق الأوسط، وتم بحث أسطول حماية المضيق، من قبل دول لا يستطيع الحرس الثوري أن يعكر علاقاته الاقتصادية معها، من بينها اليابان وكوريا الجنوبية اللتان تنتميان جغرافيًا إلى شرق خط السبعين، ونصف الكرة الأرضية الصيني وفق نظرية دونرو التي تطرق لها هيغتس في غوانتانامو في 10 حزيران 2026 عندما تحدث عن ضرورة حماية نصف الكرة الأرضية الخاص بالولايات المتحدة والابتعاد عن الحروب الأزلية.

في 05 كانون الأول 2024 أعلنت الخارجية الصينية نهاية مشروع الحزام والطريق، وبدا لوهلة أن مشروع الــIMEC (المسمى اصطلاحا ممر داوود) سيكون الممر الاقتصادي، صحيح أن الــIMEC الرقمي يسير بسرعة الالياف الضوئية أما الـIMEC اللوجستي فثمة صعوبات تقنية ومالية كبرى تواجهه، فالكلفة العالية التي تفرضها الطبيعة الجيولوجية، للمنطقة المستهدفة ولعنة جبل الكرمل التي تعترض التمدد الطبيعي لميناء حيفا تحول دول تحقق هذا المشروع، وبالطبع استغل اردوغان هذه الصعوبات ليستبدل ذلك بخط الحجاز الحديدي الجديد.

ولكن تاريخ التجارة الدولية في آسيا لم يبدأ مع المهندسين الالمان وطريق الحج من الأستانة، بل في هذه المنطقة من الحقائق الجغرافية والاقتصادية والملاحية ما سبق نشوء دولة السلاجقة بآلاف السنين.

فتحة حمص.

بين المرافئ التاريخية الفينيقية الثمانية: اللاذقية، طرطوس، طرابلس، بيروت صيدا صور عكا وحيفا، يتصدر ثلاثة مرافئ العمق الملاحي واستقرار المياه المطلوبين لاستقبال السفن العملاقة، هي: حيفا، بيروت، وطرابلس. بالرغم من الطبيعة الطيبة لمرفأي بيروت وحيفا غير أنهما يواجهان تحديا جغرافيا يتمثل بالتضاريس الجبلية التي تعيق حركة التجارة البرية خلفهما، فلا يكفي أن يكون المرفأ مجهزا لحركة الملاحة البحرية، بل يجب، ليشكل عقدة مواصلات أن يجد امتدادا جغرافيا يتيح سهولة المواصلات، فهكذا فقط يمكن أن يكون المرفأ عقدة مواصلات ونقطة محورية في التجارة الدولية، هذه المواصفات لا تتحقق إلا في مرفأ طرابلس الذي يمتاز بعمق استراتيجي عبر فتحة حمص، ولذلك عند انتعاش التجارة الدولية في الحقبة الأخمينية أسست مدن أرواد، صيدا وصور فدرالية ساحلية في طرابلس لتتمكن من تخديم حجم التجارة الدولية الهائل القادم من أعماق آسيا. قد يسأل سائل ما الذي دفع بأرواد ان تتشارك مع صيدا وصور البعيدتين عن طرابلس نسبيا في هذا المرفأ؟ 

الأسباب فنية وتجارية وسياسية في آن فكان التعاون الكنعاني هو سر نجاح اقتصادي استمر لقرون، وكانت التشاركية التقنية واللوجستية والملاحية هي سر هذا النجاح.

يمكن اليوم مع التغيرات الجيوسياسية الكبرى أن يتم تعديل الــIMEC ليصبح أكثر جدوى اقتصادية، عبر استبدال ميناء حيفا بطرابلس، ويمكن من خلال التشاركية ان تتحول هذه المدينة من عنوانٍ للفقر والتهميش على المتوسط إلى جوهرة التاج في سلم حيرام.

لكن العقبات تكمن في الثقافة الجمعية.

قلعة المسلمين طرابلس.

منذ فترة وجيزة طالعنا بعض قباضيات المدينة ليحموا نصبا غير جميل على التفرع المتجهة من ساحة النور إلى معرض رشيد كرامي، وبدأوا يستحضرون الدين والعقيدة وكأن القدسية استقرت في كتلة حديدية تسيء لواجهة المدينة ولعنوانها الحضاري.

أولى إرهاصات هذه المنهجية كانت عندما فجّر حركة أسسها الإيرانيون في ثمانينات القرن الماضي تمثال رجل الاستقلال المفتي عبد الحميد كرامي، واستبدلوه باسم الجلالة وأعلنوا طرابلس قلعة المسلمين، هذه المنهجية لا تستقيم مع وجهة تجارية، فلا يمكن أن مدينة ذات حضور دولي أن تؤسر في هوية دينية، كما لا يجوز أن يتم تقزيم الدين والقدسية لتحصر في كتلة اسمنتية أو حديدية، واللافت أن في عواصم الإسلام الكبرى من مكة إلى المدينة إلى الرياض إلى الاستانة إلى النجف إلى قم إلى طهران لا توجد هكذا ظاهرة، ولا يستطيع فتى يستقل توك توك مخالفًا أن يفرض إرادته على عناصر تطبيق القانون. هذه العقلية الاقصائية التي تتمدد من طرابلس إلى حمص وفي ليل 17/06/2026 إلى شوارع دمشق حيث يتم الاعتداء على سكان أحياء عش الورور والمزة 86 وحي الورود العلوية وأحياء مسيحية ودرزية ومواطنين آمنين في منازلهم بناء على حملة جديدة شنها من لا يريد استقرار المنطقة. هذا التنكيل بالمكونات بناء على قناعات إقصائية تكفيرية، لا يمكن أن يتيح لتأسيس منظومة اقتصادية دولية، وسيبقينا في حالة من التهميش والفقر والتبعية، وسنبقى في أحيائنا نعاني الحرمان وأكوام النفايات.

إن التحدي الأول أمام أي دولة هو بسط سلطان القانون وحماية المواطنين، أما في حالة العجز عن حماية المواطنين وضمان الاستقرار والعدالة، فهنا تسقط الدولة في لعبة الدولة العميقة.

الدولة العميقة.

يستمزج الناس الحديث عن الدولة العميقة، وكأن الدولة العميقة هي شبكة ضباط ومصالح يتآمرون في الليالي الليلاء على تدمير حياة المواطن، لكن الحقيقة هي أن الدولة العميقة هي شبكة مخبرين أسست في ظل الاحتلال العثماني وورثها الانتداب ومن ثم ورثتها الدول الوطنية، وهذه الشبكة يتحكم بها ذوو النفوذ المالية والمصالح المشبوهة، فيعملون على تشويه الحقاق ويتم رفع التقارير وفق مشيئة من يمول هذه الشبكة فتبنى استراتيجيات الدولة على معلومات مغلوطة رفعها من له مصلحة بها.

الدولة العميقة هي الموظف الذي لا يستطيع رئيسه أن يحاسبه أو أن ينقله من دائرته، هي عناصر الضابطة العدلية الذين يتدخل السياسيون وأصحاب النفوذ المحلي في مناقلاتهم، فيمكنك مثلا أن تلحظ تبديل ضابط في مركز مرموق لكن يستحيل أن يتم نقل رقيب أو معاون ترضى عنه الدولة العميقة، فهذه الدولة هي شبكة مصالح مهترئة طفيلية تستنزف وجودنا، فتحافظ على وجود "القباضيات" بحجة "مسك الشارع" في حين أن الشارع لا يحتاج لتمسكه لأكثر من قضاء عادل وسلطان القانون.

أثبتت التجارب المتعاقبة فشل عقيدة "مسك الشارع" عبر بطاقة تسهيل مرور ورخصة سلاح ورخصة فوميه، هذه الوسائل لا تمسك الشارع بل تخلق طفيليات تستمرئ تجاوز القانون، ويصبح معها التعدي على بنيان القانون دليل قوة ونفوذ، وتكون هذه الطفيليات أدوات جاهزة للاستعمال في يد من يريد هدم الدولة والاعتداء على الحق بالمواطنة.

لا مندوحة من إنشاء عقد إجتماعي جديد يتأسس على حلف الأوادم، ولا حل إلا بتغيير العقيدة الأمنية من عقيدة مسك الشارع إلى عقيدة بسط سلطان القانون على الجميع.

هذا المنطق يخاف منه جماعة حزب السلاح، فلا تستطيع أن تفهم تهديدات إسماعيل النجار بقصف مطار الشهيد رينيه معوض إلا من باب الغضب من تحرير الملاحة الجوية في لبنان من سلطان سائق "الموتوسيك"، فهذا المسكين الذين أهدروا حياته، وضحوا بمستقبله ليكنزوا الذهب والفضة، لا يعرف أنهم يستعملونه لتدمير حياته وخراب مستقبله، فكما يستعمل أركان خلية حبيب تظاهرات الباسيج للمناورة في المفاوضات وتأخيرها، يسعون الى استحضار المقدس لحماية المدنس.

فالمدنس مثلاً أن ينسب أحدهم حديثا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، نصه "عندما صمت أهل الحق عن اهل الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق" علما أن هذا الحديث لم يرد لا في نهج البلاغة ولا في كتب التراث، وتناسى الحج أن أمير المؤمنين كتب عهد الأشتر، وأمرنا أن نعمل بأحكامه، لكن الحج الذي يعتبر نفسه فوق المحاسبة، ويريد أن يأخذنا جميعا، ودون مساءلة أو مراجعة نقدية إلى حيث تتحقق مصالح أولياء أمره، وكل ما توقفوا عنده في سبيل إبرام مذكرة التفاهم كان 24 مليار دولار من "طرف جيبة أميركا" كما قال محسن رضائي. فلم يتوقفوا عند مسح قرى الجنوب ولا إعادة احتلال الشريط الحدودي، وعندما أقروا مبدأ الضاحية مقابل كريات شمونة أسقطوا إنسانية اللبناني الجنوبي وحفظوا حصانة مستشاريهم من القتل، فغارات اسرائيل على الضاحية لم تستهدف بنى تحتية للمقاومة، بل شققًا سكنية يقطنها من تعرفهم خلية حبيب ويعرفهم نتنياهو.

في هذا الأتون، لا بد من طرح تساؤلات لا أجرؤ أن أجيب عليها، لان الاستنتاج مريع: فمثلا لماذا قررت خلية حبيب بدء مراسم تشييع آية الله خامنئي في 4 تموز؟ لماذا قررت شبكة NBC Universal ان تستقبل ترامب في حظيرة تحت المطر في برنامج Meet the Press فيما استقبل البرنامج نفسه جي دي فانس في الاستديو المخملي؟ لماذا جعل توماس باراك من منح التأشيرة للفريق الإيراني والوفد المرافق إنجازا اسطوريا؟ لماذا يتم اشعال الفتنة في الساحل الشرقي للمتوسط، ولماذا يصر ترامب على دخول الشرع إلى لبنان، فيما يعلم الجميع ان هكذا خطوة ستضرب الدولة اللبنانية إن هي منحت مشروعية للتدخل السوري، وستمنح هكذا خطوة الحج ورهطه دعما منقطع النظير من مكونات الشعب اللبناني؟ هنا تجري الكثير من الأحداث التي تتنافى مع المنطق السليم، ولا يمكن بحثها انطلاقا من المعطيات المتاحة، ولا يمكن التطرق لفرضيات مستغربة ومع ذلك من الضروري طرح هذه التساؤلات ولو بقيت دون إجابة...