في المقال السابق، "العدالة قبل القوة"، وصلنا إلى نتيجة مفادها أن الحرية وحدها لا تكفي، وأن العدالة هي التي تنظم علاقة الحريات بعضها ببعض وتحمي الإنسان من ظلم الإنسان.
لكن التأمل في العدالة يقودنا إلى سؤال آخر لا يقل أهمية:
من أين تأتي العدالة أصلاً؟
وكيف يمكن لمجتمع أن يكون عادلاً إذا كان كل فرد فيه يطالب بحقوقه بينما يتنصل من مسؤولياته؟
لقد أصبح الحديث عن الحقوق جزءاً من لغة العصر.
نسمع يومياً عن حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق العمال، وحقوق الأقليات، وحقوق الشعوب، لكننا نادراً ما نسمع الحماسة نفسها عند الحديث عن المسؤوليات.
وكأن الإنسان الحديث أصبح أكثر اهتماماً بالسؤال:
"ماذا أستحق؟"
وأقل اهتماماً بالسؤال:
"ماذا يجب أن أقدّم؟"
ومن هنا تبدأ واحدة من أهم المفارقات التي تواجه المجتمعات الحديثة، فقد نجحنا في بناء ثقافة واسعة للحقوق، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في بناء ثقافة المسؤولية.
ما هي الحقوق؟
في أبسط تعريفاتها، الحقوق هي المطالب أو الحريات أو الامتيازات التي تُعتبر مستحقة للإنسان لمجرد كونه إنساناً، وقد شكّلت فكرة الحقوق واحدة من أعظم الإنجازات الفكرية في التاريخ الحديث.
فالفيلسوف الإنجليزي جون لوك (John Locke) اعتبر أن الإنسان يولد مزوداً بحقوق طبيعية لا تمنحها الدولة ولا يحق لها أن تنتزعها، وعلى رأسها الحق في الحياة والحرية والملكية.
ثم جاء جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) ليربط الحقوق بالعقد الاجتماعي الذي يجعل الناس شركاء في بناء المجتمع والدولة.
وفي القرن العشرين تُوّج هذا المسار بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصبح أحد أهم المرجعيات الأخلاقية والقانونية في العالم، وكان ذلك انتصاراً عظيماً للكرامة الإنسانية.
ولعل ما يستحق التوقف عنده لبنانياً أن أحد أبرز المساهمين في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 كان الفيلسوف والدبلوماسي اللبناني شارل مالك؛ فبالنسبة لمالك، لم تكن حقوق الإنسان مجرد مواد قانونية أو نصوص دولية، بل تعبيراً عن كرامة الإنسان وقيمته المتأصلة. وكان يرى أن الدفاع عن الحقوق لا يمكن أن ينفصل عن بناء الإنسان نفسه، لأن القوانين تستطيع أن تحمي الحقوق، لكنها لا تستطيع أن تخلق الضمير الذي يصونها.
ولهذا لم يكن اهتمامه منصباً على الحقوق وحدها، بل على الإنسان القادر على حمل هذه الحقوق وتحمل المسؤولية المرافقة لها.
لكن الحقوق، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تعيش وحدها.
فالحق في التعليم يحتاج إلى معلم يؤدي واجبه.
والحق في الأمن يحتاج إلى شرطي مسؤول.
والحق في الصحة يحتاج إلى طبيب يؤدي رسالته.
والحق في العدالة يحتاج إلى قاضٍ نزيه.
وهكذا نكتشف أن كل حق يتمتع به إنسان ما يقوم في مكان ما على مسؤولية يتحملها إنسان آخر.
ما هي المسؤولية؟
إذا كانت الحقوق تجيب عن سؤال: "ماذا أستحق؟"
فإن المسؤولية تجيب عن سؤال مختلف تماماً: "ماذا يجب أن أفعل؟"
والمسؤولية ليست مجرد واجب قانوني، بل هي وعي أخلاقي.
إنها إدراك الإنسان أن أفعاله لا تؤثر عليه وحده، بل تمتد آثارها إلى الآخرين.
ولهذا ربط الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت (Immanuel Kant) الحرية بالواجب الأخلاقي، فالإنسان الحر، في نظره، ليس من يفعل ما يشاء فقط، بل من يختار ما ينبغي فعله حتى عندما يكون الطريق الآخر أسهل.
أما الفيلسوف الألماني هانز يوناس (Hans Jonas)، فقد جعل المسؤولية محور فلسفته كلها، وكان يرى أن قوة الإنسان الحديثة أصبحت كبيرة إلى درجة أن السؤال لم يعد: "هل أستطيع أن أفعل ذلك؟" بل: "هل ينبغي أن أفعل ذلك؟" وما النتائج التي سيتحملها الآخرون بعدي؟
وهكذا لم تعد المسؤولية مجرد فضيلة أخلاقية، بل أصبحت شرطاً لبقاء الحضارة نفسها.
من الامتثال إلى الضمير
قد يتساءل البعض: لماذا استُخدمت كلمة "المسؤولية" في هذا المقال بدلاً من كلمة "الواجب"؟ أليستا تدلان على المعنى نفسه؟
في الواقع، هناك فرق عميق بينهما.
فالواجب يوحي غالباً بشيء يُفرض على الإنسان من الخارج؛ من قانون، أو سلطة، أو نظام، أو عرف اجتماعي، إنه ما يجب فعله لأن هناك من يطلبه أو يفرضه.
أما المسؤولية فتنطلق من مكان مختلف، إنها لا تبدأ بالأمر، بل بالوعي؛ ولا تبدأ بالإلزام، بل بالاقتناع؛ ولا تبدأ بالخوف من العقوبة، بل بإدراك أثر أفعالنا في حياة الآخرين.
فالإنسان قد يؤدي واجبه لأنه مُجبر على ذلك، لكنه لا يتحمل مسؤوليته حقاً إلا عندما يختار أن يقوم بما يجب عليه القيام به، حتى في غياب الرقابة.
ولهذا فإن كل واجب يمكن أن يُؤدّى بطريقتين: إما كعبء مفروض، أو كمسؤولية واعية.
وشتّان بين الاثنين.
فالمعلّم الذي يدخل الصف لأنه ملزم بذلك يؤدي واجباً، أما المعلم الذي يرى في عمله رسالة تجاه طلابه فإنه يتحمل مسؤولية.
والقاضي الذي يطبق القانون خوفاً من المساءلة يؤدي واجباً، أما القاضي الذي يدرك أن قراره قد يغيّر حياة إنسان فإنه يتحمل مسؤولية.
ولهذا السبب ميّزت التجارب الإنسانية دائماً بين مجرد أداء الواجب وبين تحمّل المسؤولية، فليس المطلوب أن يُنجز العمل فقط، بل أن يُنجز كما ينبغي.
ولعل الفرنسيين عبّروا عن هذه الفكرة في قولهم الشهير:
Tout ce qui mérite d'être fait mérite d'être bien fait.
أي:
"كل ما يستحق أن يُفعل، يستحق أن يُفعل بإتقان."
فالواجب قد يدفع الإنسان إلى القيام بالعمل، أما المسؤولية فتدفعه إلى القيام به بأفضل صورة ممكنة، لأنه يدرك أن جودة ما يفعله لا تؤثر عليه وحده، بل تمتد آثارها إلى حياة الآخرين وحقوقهم.
ولهذا لم يكن المقصود في هذا المقال الدعوة إلى مجتمع يؤدي فيه الناس واجباتهم فقط، بل إلى مجتمع يتحمل فيه الناس مسؤولياتهم، فالواجب قد يصنع الامتثال، أما المسؤولية فتصنع الضمير.
والقوانين تستطيع أن تفرض الواجبات، لكن المجتمعات الإنسانية الحقيقية لا تُبنى إلا عندما تتحول الواجبات إلى مسؤوليات يعيشها الناس عن اقتناع لا عن إكراه.
وربما لهذا السبب كان شارل مالك يرى أن أزمة العالم ليست أزمة أنظمة ومؤسسات بقدر ما هي أزمة إنسان، لأن مستقبل المجتمعات يتوقف في النهاية على نوعية البشر الذين يديرونها أكثر مما يتوقف على النصوص التي تحكمها.
الحقوق والمسؤولية: وجهان لحقيقة واحدة
ربما تكمن المشكلة الأعمق في أننا اعتدنا النظر إلى الحقوق والمسؤوليات وكأنهما أمران منفصلان، فنحن نتحدث عن الحقوق في جهة، وعن المسؤوليات في جهة أخرى، بينما الحقيقة أن كلاً منهما لا يعيش إلا بالآخر.
فالحق الذي أتمتع به اليوم هو في كثير من الأحيان نتيجة مسؤولية يؤديها شخص آخر، فعندما يدخل الطفل إلى المدرسة، فإنه يمارس حقه في التعليم، لكن هذا الحق لا يصبح واقعاً إلا لأن معلماً تحمل مسؤوليته.
وعندما يذهب المريض إلى المستشفى، فإنه يمارس حقه في الرعاية الصحية، لكن هذا الحق لا يصبح واقعاً إلا لأن طبيباً وممرضاً وإدارة كاملة قامت بمسؤوليتها.
وعندما يشعر المواطن بالأمان في الشارع، فإنه يمارس حقه في الأمن، لكن هذا الحق لا يتحقق إلا لأن أشخاصاً آخرين تحملوا مسؤولية حمايته.
وهكذا نكتشف أن كل حق من حقوق الإنسان يقابله، في مكان ما، إنسان آخر يؤدي مسؤولية ما.
فالحقوق ليست هبات تنزل من السماء، بل ثمرة شبكة واسعة من المسؤوليات المتبادلة؛ ولهذا فإن المجتمع الإنساني السليم ليس ذلك الذي يطالب فيه الجميع بحقوقهم فقط، بل ذاك الذي يدرك فيه كل إنسان أن أداءه لمسؤوليته هو، في الوقت نفسه، مساهمة في تأمين حقوق الآخرين.
فالأب الذي يتحمل مسؤوليته تجاه أبنائه يحمي حقهم في الرعاية.
والمعلم الذي يتحمل مسؤوليته يحمي حق طلابه في المعرفة.
والقاضي الذي يتحمل مسؤوليته يحمي حق الناس في العدالة.
والموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص يحمي حق الآخرين في المؤسسة.
والمواطن الذي يحترم القانون يحمي حق الجميع في العيش داخل مجتمع منظم.
ومن هنا تصبح المسؤولية أكثر من مجرد واجب، إنها الشكل العملي الذي تتحول من خلاله الحقوق من نصوص مكتوبة إلى واقع معاش، ولهذا لا يمكن فصل الحقوق عن المسؤولية، فالحقوق هي الوجه الذي نتلقاه من المجتمع، أما المسؤولية فهي الوجه الذي نقدمه له.
تخيل مدينة يطالب فيها الجميع بحقوقهم لمدة أسبوع كامل، لكن لا أحد يؤدي مسؤوليته.
الأطباء يطالبون بحقوقهم ولا يعالجون المرضى.
المعلمون يطالبون بحقوقهم ولا يدخلون الصفوف.
رجال الأمن يطالبون بحقوقهم ولا يحمون الناس.
الموظفون يطالبون بحقوقهم ولا يعملون.
بعد أيام قليلة لن تبقى حقوق أصلاً.
لأن الحقوق التي طالب بها الجميع كانت قائمة منذ البداية على مسؤوليات لم يعد أحد يؤديها.
وكلما ازداد عدد الأشخاص المستعدين لتحمل مسؤولياتهم، ازداد عدد الحقوق التي تصبح ممكنة للجميع.
وهكذا لا تعود المسؤولية نقيضاً للحقوق، بل تصبح هي الآلية التي تتحول عبرها الحقوق إلى واقع....
البرغي الذي لم يره أحد
يُروى أن رجلاً كان مسؤولاً عن فحص جسر حديدي تعبره آلاف السيارات يومياً، لم يكن مشهوراً، ولم يكن أحد يعرف اسمه، وكان معظم الناس يعبرون الجسر من دون أن يفكروا به ولو للحظة.
لكن في كل صباح كان يخرج ليتأكد من سلامة البراغي والدعائم والأسلاك المعدنية، كان ذلك جزءاً من عمله، وواجباً وظيفياً في نظر البعض؛ لكن بالنسبة إليه كان أكثر من ذلك، كان مسؤولية.
ففي أحد الأيام اكتشف خللاً صغيراً في أحد أجزاء الجسر، كان بإمكانه أن يؤجل إصلاحه إلى الأسبوع التالي، أو أن يكتفي بتسجيل ملاحظة في تقريره، لكن شيئاً في داخله منعه من ذلك، فعاد وأصرّ على إصلاحه فوراً.
وبعد أشهر تبيّن أن ذلك الخلل الصغير كان يمكن أن يؤدي إلى كارثة كبيرة.
لم يعرف أحد ما فعله، ولم يشكره أحد.
لكن آلاف الأشخاص عبروا الجسر بأمان لأن شخصاً واحداً لم يكتفِ بأداء واجبه، بل تحمّل مسؤوليته.
وهكذا هي المجتمعات.
فكثير من الحقوق التي نتمتع بها يومياً لا يحميها القانون وحده، بل يحميها أشخاص مجهولون يقررون كل يوم أن يؤدوا ما عليهم بضمير ومسؤولية.
عندما تسبق الحقوق المسؤولية
تكمن إحدى أكبر أزمات عصرنا في أن كثيرين يريدون نتائج المسؤولية دون أن يتحملوا المسؤولية نفسها.
فالطالب يريد حقه في النجاح، دون مسؤولية الدراسة.
والموظف يريد حقه في الراتب، دون مسؤولية الإتقان والفعالية.
والمواطن يريد حقه في الخدمات، دون مسؤولية احترام الاخلاق والقانون.
والسياسي يريد حقه في السلطة، دون مسؤولية خدمة الناس والخير العام.
وهنا تبدأ الأزمة.
لأن الجميع يطالب بحقوقه، لكن الجميع ينتظر من الآخرين أن يتحملوا المسؤولية.
حين تصبح الحقوق بلا مسؤولية
ولعل التجربة اللبنانية تقدم مثالاً واضحاً على ذلك، فالجميع يتحدث عن حقوقه.
الطوائف تتحدث عن حقوقها.
الأحزاب تتحدث عن حقوقها.
المناطق تتحدث عن حقوقها.
النقابات تتحدث عن حقوقها.
لكن السؤال الذي نادراً ما يُطرح هو:
من يتحمل مسؤولية بناء الدولة؟
ومن يتحمل مسؤولية احترام القانون؟
ومن يتحمل مسؤولية المصلحة العامة؟
فعندما تتحول الحقوق إلى مطالب منفصلة عن المسؤولية، يصبح المجتمع مجموعة مطالب متنافسة لا مشروعاً مشتركاً.
لماذا لا تكفي الحقوق وحدها؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الطريق إلى المجتمع الأفضل يمر عبر توسيع دائرة الحقوق فقط، لكن التجربة الإنسانية تكشف حقيقة أكثر عمقاً.
فالمجتمعات لا تنهار بسبب نقص الحقوق، بل كثيراً ما تنهار بسبب غياب المسؤولية؛ لأن العلاقة بينهما ليست علاقة تنافس، بل علاقة تكامل. فحين تغيب المسؤولية، لا تلبث الحقوق أن تتآكل تدريجياً حتى وإن بقيت مكتوبة في الدساتير والقوانين.
فالعلاقة بين الحقوق والمسؤولية ليست علاقة اختيار بين أمرين، بل علاقة سبب ونتيجة؛ فحيث تُمارس المسؤولية تُصان الحقوق، وحيث تُهمل المسؤولية تضيع الحقوق.
فقد تمتلك دولة دستوراً متقدماً، وقوانين حديثة، ومؤسسات متطورة، لكنها تبقى عاجزة عن تحقيق أهدافها إذا لم يجد كل حق من يحمله، وكل واجب من يؤديه.
فالحق في النظافة لا يكفي إذا لم يشعر المواطن بمسؤوليته تجاه المكان العام.
والحق في الديمقراطية لا يكفي إذا لم يتحمل الناخب مسؤوليته الأخلاقية في الاختيار.
والحق في حرية التعبير لا يكفي إذا غابت مسؤولية الصدق واحترام الآخر.
ولهذا فإن الفرق بين المجتمع الذي ينجح والمجتمع الذي يفشل لا يكمن دائماً في عدد الحقوق المكتوبة في القوانين، بل في عدد الأشخاص المستعدين لتحمل مسؤولياتهم تجاه هذه الحقوق.
فالحقوق تحدد ما يحق لنا أن نطلبه، أما المسؤولية فتحدد ما يجب علينا أن نقدمه لكي تصبح تلك الحقوق ممكنة للجميع.
ولهذا يمكن القول إن الحقوق هي الثمار التي نراها، أما المسؤولية فهي الجذور التي تغذيها؛ وإذا جفّت الجذور، فلن تنقذ الثمارَ أجملُ القوانين ولا أرقى الشعارات.
من العدالة إلى المسؤولية
في المقال السابق كانت العدالة هي الضمانة التي تمنع القوة من التحول إلى ظلم.
لكن العدالة نفسها تحتاج إلى شيء أعمق، تحتاج إلى أفراد مستعدين لتحمل مسؤولياتهم.
فالعدالة لا تعيش في النصوص فقط، بل تعيش في سلوك البشر.
ولهذا لا تستطيع أي دولة أن تبني مجتمعاً عادلاً إذا كان كل فرد فيها ينتظر من الآخرين أن يقوموا بما يجب عليه هو أن يقوم به.
الخاتمة
وهكذا تلتقي خيوط هذه السلسلة مرة جديدة عند الفكرة نفسها.
فالإنسان قبل العقيدة.
والأخلاق قبل القوانين.
والمواطنة قبل الطائفة.
والحرية قبل اليقين.
والعدالة قبل القوة.
واليوم: المسؤولية قبل الحقوق.
ليس لأن الحقوق غير مهمة، بل لأن الحقوق نفسها لا تستطيع أن تعيش طويلاً من دون مسؤولية تحميها.
فالحق هو ما أطلبه من الآخرين، أما المسؤولية فهي ما يحق للآخرين أن يطلبوه مني.
ولعل الفيلسوف اللبناني شارل مالك لخص جوهر هذه الفكرة عندما رأى أن المعركة الحقيقية ليست من أجل حقوق الإنسان فقط، بل من أجل الإنسان نفسه.
فالحقوق، مهما كانت عظيمة، تبقى هشّة إذا لم تجد إنساناً مستعداً لتحمل مسؤولية حمايته، والمجتمعات لا تنهض عندما يعرف أفرادها ما لهم فقط، بل عندما يعرفون أيضاً ما عليهم.
وربما لا تبدأ الإنسانية الحقيقية عندما نسأل: ماذا أستحق؟
بل عندما نجرؤ على أن نسأل: ماذا أُدين به للآخرين؟
فالحضارات لا تُبنى عندما يعرف الناس حقوقهم فقط، بل عندما يشعر كل إنسان بأن مسؤولية صغيرة يحملها على كتفيه قد تكون هي الحق الذي ينتظره إنسان آخر.
وهنا تحديداً يبدأ الطريق نحو السؤال التالي: لماذا نهرب أحياناً من مواجهة أنفسنا؟