المحامي رفيق اورى غريزي

السيادة اللبنانية في مهب المساومات: السفير الايراني من "شخص غير مرغوب فيه" إلى الاستسلام للوصاية

4 دقائق للقراءة

 سكتت المدافع وبقيت الساحة اللبنانية، بقرار أممي صندوق بريد ممزقاً، تتقاسمه مصالح القوى الإقليمية الدولية على حساب كرامة هذا الوطن وهيبة مؤسساته. وما نشهده اليوم في ملف السفير الإيراني ليس مجرد تخبط دبلوماسي أو إداري، بل هو سقطة بحق السيادة اللبنانية،تكشف عمق تأثير المحاور، والعودة بقرار دولي لتعويم النفوذ الإيراني فوق أنقاض السيادة اللبنانية.

تبدأ فصول هذه المسرحية التراجيدية بإعلان وزير الخارجية اللبناني السفير الإيراني "شخصاً غير مرغوب فيه" وأمره بالمغادرة، في خطوة ظنّها الشعب بصيص أمل لاستعادة هيبة الدولة. ولكن، سرعان ما انقشعت الأحوال، بعد أن تبين أن لبنان غير قادر على ممارسة سيادته، لا سيما بعد أن أعلن رئيس الجمهورية أن السفير "أصلاً لم يقدم أوراق اعتماده بعد"، في تناقض يعكس العجز السياسي أمام لعبة الأمم، حيث تتخذ وزارة الخارجية موقفاً سيادياً حازماً لحماية كرامة الدولة، بينما تضطر رئاسة الجمهورية لتدوير الزوايا وامتصاص الغضب الإيراني.

وسط هذا العجز الرسمي، تقدمت شخصيا أمام النيابة العامة التمييزية باخبار بوجه السفير المطرود، واضعاً القضاء أمام مسؤولياته التاريخية، لكن هذا التحرك جوبه بدوامة قاتلة من المماطلة، فدخل الإخبار في دهاليز التخبط من عهد الرئيس حجار الذي اتخذ موقفاً رمادياً ولم يقبل الإخبار ولم يرفضه تذرعاً بأنه "لم يبت به"، إلى المرحلة الانتقالية مع الرئيس بيار فرنسيس التي مرت دون بت، وصولاً إلى النائب العام التمييزي الحالي الذي لم يحرك ساكناً، وسط تملص السلطة التنفيذية ممثلة بوزير الداخلية الذي أعلن صراحة أنه لم يصله شيء من القضاء مرجئاً التحرك بعبارته الشهيرة "لكل حادث حديث".

إن العتب الآن على موقف رئيس الجمهورية الذي يبدو أن تراجع بمجرد أن هبت رياح "الاتفاق الأميركي الإيراني"، بعدما وافق على تجديد إقامته, وصولاً إلى إعلانه بأنه "لا يمانع قبول اعتماد السفير الإيراني". إن هذا السلوك الرئاسي ليس مجرد مرونة دبلوماسية، بل هو خيبة أمل أصاب من لا يزال يعتقد أن فرصة قيام الدولة في لبنان لا زالت قائمة.

فخامة الرئيس، إن مقام رئاسة الجمهورية الذي يمثل وحدة الوطن وحارس دستوره وسياجه، لا يمكن أن يتحول إلى منصة لتبرير التنازلات أو لمجاراة التوازنات الخارجية على حساب السيادة الوطنية. إن التراجع في ملف السفير الإيراني مقابل إعادة فتح خطوط التواصل مع القوى الإقليمية نتيجة الاتفاق الأميركي الايراني، يضع الموقف الرسمي في موضع التساؤل حول مدى التزامه بالثوابت السيادية. إن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقكم تفرض العودة فوراً إلى منطق الدولة القوية المستقلة بقرارها، فالشعب اللبناني يطالب بموقف صلب يعيد للدولة هيبتها وللقرار الوطني استقلاليته بعيداً عن سياسة المحاور.

إننا كلبنانيين وفي طليعتنا فخامتك كما جاء في خطاب القسم، ومن موقع الحرص الوطني، نؤكد وتؤكدون بأننا نريد تبادلاً دبلوماسياً حقيقياً وصحياً بين لبنان وإيران، ولكن من منطلق واحد لا مساومة فيه: احترام السيادة والمعاملة بالمثل كدولتين مستقلتين. إن هذا التوازن لن يتحقق أبداً ما دام لطهران في بلدنا ميليشيا مسلحة تأتمر بأمرها عن بُعد وبمجرد تحريك إصبع من قيادتها؛ فالحكمة الحقيقية اليوم تكمن في قوة الموقف، وقوة الموقف تتجلى في الرفض الحاسم لأي علاقات دبلوماسية طبيعية ما دام سلاح ميليشيا حزب الله لم يُحصر بالكامل في يد الدولة ومؤسساتها الشرعية. نعم، نحن متمسكون بالعيش المشترك في هذا البلد بكامل طوائفه ومذاهبه، ولكن على قدم المساواة والعدالة دون استقواء بالسلاح، ونعم نرحب بحزب الله كحزب سياسي وطني يعمل كأي حزب آخر تحت سقف الدستور والقانون، لا كفصيل عسكري يعطل قرارات الدولة ويفرض أجندات خارجية على حساب كرامة الوطن.