قبل أيام، وبينما كنت أتصفّح مجلّة أسبوعية فرنسية وأستمتع بقراءتها، لفت انتباهي إعلان عن رحلة موسيقية على نهر الدانوب. إعلان من تلك الإعلانات القادرة على إثارة ردود فعل غير منطقية حتى لدى الشخص العاقل. وعد الإعلان بفيينا، وبراتيسلافا، وبودابست، وميلك، وحفلات موسيقية خاصة، وعزف بيانو، والتعرّف إلى التراث الأوروبي، والإبحار الهادئ في أشهر أنهار أوروبا الوسطى.
كان عليّ أن أقلب الصفحة. لكنني، بدل ذلك، بدأت أحلم. وكما أنّ الأحلام الطموحة تبدأ غالبًا في كرسي مريح وتنتهي في سرير، فقد واصل حلمي رحلته طوال الليل. تخيّلت نفسي أُبحر في نهر الدانوب بثقة المستكشفين العظماء الهادئة، أي بأناقة السائح الذي يتأكد من جواز سفره عشر مرات قبل مغادرة غرفته.
انزلق القارب بسلاسة على سطح الماء. بدا الركاب مثقفين، مسترخين، وقادرين تمامًا على التمييز بين موسيقى يوهان شتراوس ونغمة رنين الهاتف. أما أنا، فكنت سعيدة بوجودي هناك، مقتنعة بأنني في واحدة من أجمل الرحلات التي قد تحلم بها عاشقة للموسيقى الكلاسيكية العذبة. في حلمي، كان كلّ شيء مثاليًا وأكثر من اللازم. وهو ما كان ينبغي أن ينبّهني فورًا. امتدّ نهر الدانوب كشريط أزرق هائل عبر أوروبا. تأمّلت المناظر الطبيعية بنظرة المسافرة المتأمّلة، الغارقة في أفكارها، والباحثة ببساطة عن مقهى. ثم وقع الحادث... ظهرت سيارة، ولا تسألوني لماذا ظهرت سيارة في منتصف رحلة نهرية. للأحلام قوانينها الخاصة، وهي عادةً أكثر مرونة من قوانين الاتحاد الأوروبي.
غرفة عند عمتي
على أي حال، قرّرت تلك السيارة فجأة أن تقلّني. صعدت على متنها من دون أن أنبس ببنت شفة. بعد دقائق، اكتشفتُ بدهشة أننا لم نعد على ضفاف نهر الدانوب. لقد وصلنا إلى نهر الكلب، ثاني أقرب نهر إلى منزلي. اختفت آلاف الكيلومترات من أوروبا الوسطى كأنها سحر. تبخّرت فيينا وبودابست وبراتيسلافا، وحلّ مكانها نهر الكلب الجميل. ولا أريد أن أكون غير عادلة معه، فله تاريخه وسحره ومكانته، لكنه يواجه صعوبة حقيقية عندما يدخل في منافسة غير متكافئة مع نهر يمرّ بعشر دول ويملك رقصة فالس باسمه. حدّقتُ في الماء، محاوِلة التماسك، لكن ذلك كان مستحيلا. شعرتُ كأنني امرأة تحجز جناحًا في «فندق ريتز»، فتكتشف أنّ غرفة قد جُهّزت لها في منزل عمّتها.
أذكر أنني سألتُ السائق:
«- هل أنت متأكد من وصولنا بسلام؟
- بالتأكيد.
- نهر الدانوب؟
- لا.
- فيينا؟
- لا، ليس هذا أيضًا.
- بودابست؟
- بالتأكيد لا.
- إذن، أين نحن؟
- على بُعد كيلومترات قليلة من منزلك».
استيراد الدانوب
عند هذه النقطة، بدأ حلمي يأخذ منحى كوميديًا بامتياز، لأنّ خيالي رفض التخلي عن مشروعه الأوروبي، لذا قرّر استيراد نهر الدانوب إلى لبنان. ثم رأيت موسيقيّين خياليّين يظهرون على ضفاف نهر الكلب، وقائد أوركسترا يقود رقصة فالس بجدّية تُثير الإعجاب، بينما يحاول أحد أبناء بلدة مجاورة فهم سبب استيلاء عازفي الكمان فجأة على منطقته. رقص الأزواج، وصفّق السياح. ظهرت آلة أكورديون من دون سبب واضح، حتى يوهان شتراوس بدا وكأنه يُفكّر في إقامة موقتة في المنطقة. وأنا، وسط هذا الارتباك الجغرافي، واصلتُ الحلم برحلة نهرية حقيقية.
للحظة، حاولتُ التعامل مع الموقف بروح السائحة المتفهّمة. قلت لنفسي إنّ الرحلات تتعرّض أحيانًا لبعض التعديلات البسيطة في المسار. لكن من الصعب اعتبار الانتقال من الدانوب إلى نهر الكلب مجرّد تعديل طفيف. فالأمر يشبه حجز أمسية في «أوبرا فيينا»، ثم اكتشاف أنّ البرنامج استُبدل بمحاضرة مرتجلة عن مواقف السيارات البلدية. لكلّ منهما مزاياه، لكن المقارنة تظلّ محفوفة بالمخاطر.
نهر الدانوب ليس مجرّد نهر، إنه أشبه بطريق مائي يروي تاريخ أوروبا. يمتدّ على طول 2850 كيلومترًا تقريبًا، ويتدفق عبر عدد كبير من الدول أو بمحاذاتها، ويربط مدنًا تُردّد أسماؤها صدى فصول كاملة من الحضارة. فيينا، على سبيل المثال، تتبادر الموسيقى إلى ذهني فورًا عند ذكرها، ثم المعجّنات مباشرة. عاش فيها موزار وبيتهوفن وشوبرت، وحوّل يوهان شتراوس رقصة الفالس إلى جزء من هوية المدينة. في تلك اللحظة من الحلم، كنت ما أزال مقتنعة بأنني في أوروبا الوسطى، ولم تكن هناك أي مؤشرات تدلّ على أنني سأستيقظ لاحقًا على بُعد دقائق من منزلي.
بعدها تأتي براتيسلافا، مدينة هادئة وأنيقة، تمنح أزقّتها القديمة وقلعتها المطلّة على النهر الزائر شعورًا لطيفًا باكتشاف مكان يعرف قيمته جيّدًا. ثم تأتي بودابست، المدينة التي يبدو برلمانها المنعكس على مياه الدانوب وكأنه صُمّم لإبهار الزوار. وفي الليل، يزداد المشهد جمالا إلى درجة تجعل ساعات المشي الطويلة تبدو تفصيلا ثانويًا. كان المشهد مقنعًا إلى درجة أنني لم أشكّ للحظة في أنّ الرحلة ستنتهي جغرافيًا في مكان لا يحتاج إلى جواز سفر، ولا حتى إلى حقيبة سفر. أما ميلك، بديرها البينديكتيني الباروكي المطلّ على النهر، فهي محطة صغيرة الحجم، كبيرة الأثر، تنجح عادةً في كسب إعجاب حتى غير المهتمّين بالعمارة. أما أبرز ما يُميّز هذه الرحلة النهرية بلا شك، فهو التناغم بين المناظر الطبيعية والموسيقى.
منطق غامض
في حلمي، كانت الحفلات الموسيقية رائعة. بدت النوتات كأنها تطفو فوق الماء، ورافق النهر الموسيقيّين بهدوء. حتى طيور النورس بدت كأنها تحترم البرنامج. لم يرنّ أي هاتف، ولم يسعل أحد خلال أكثر المقاطع رقة. كنت، بوضوح، في عالم الأحلام، ففي الواقع هناك دائمًا من هو مستعد لفتح غلاف «بونبون» بمجرّد أن تبدأ الأوركسترا عزفًا تاريخيًا هادئًا.
عندما استيقظت، كان نهر الدانوب قد اختفى، والقارب أيضًا، والموسيقيون كذلك. لكن نهر الكلب كان لا يزال هناك، مخلصًا لموقعه. نظرت من النافذة وابتسمت. ففي النهاية، للأحلام منطق غامض أحيانًا، تُرينا ما نرغب فيه، ثم تعيدنا فجأة بضعة كيلومترات من ديارنا، لتذكّرنا بأنّ المغامرة غالبًا ما تبدأ في مخيّلتنا. إنما الفرق كبير هذه المرّة. ومن الواضح أنني أملك موهبة خاصة في التخطيط لرحلة على نهر الدانوب، لأجد نفسي في النهاية على ضفاف نهر غير بعيد عن منزلي.
لكن إذا كانت الرحلة الفعلية تُشبه ولو نصف الرحلة المتخيَّلة، فسيكون سحر الموسيقى والتاريخ ومدن الدانوب ومناظر أوروبا الوسطى قد حسم الأمر لصالحي. فهذه المرّة، أنوي التأكد بنفسي من أنّ نهر الدانوب هو نهر الدانوب حقًا. لذا، نعم، سأقوم بهذه الرحلة. سأتوقف عند مكتبة لأشتري بطاقات بريدية لفيينا وبودابست وبراتيسلافا، وبعض ألحان الفالس التي علقت في ذهني. ولن أنسى التقاط صور لنهر الكلب، وأروع شرح لتاريخ السياحة النهرية. بعد كل هذا، قد أكتشف أنّ المشكلة لم تكن في الجغرافيا الأوروبية، بل في نظام الملاحة الخاص بأحلامي ودولاراتي، اللذين يبدوان مصمّمين لإعادتي دائمًا إلى ضفاف نهر الكلب.