منذ عقود، يدور جدل لا ينتهي في العالم العربي حول المسؤول عن الحروب والانهيارات التي عصفت بالمنطقة. فريق يرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما أصل الأزمات، وأنهما استخدمتا القوة العسكرية والتفوق الاستراتيجي لإعادة رسم خرائط المنطقة وفق مصالحهما. وفريق آخر يعتبر أن المشروع الإيراني وسياسات التوسع عبر التنظيمات المسلحة هو الذي جرّ المنطقة إلى الحروب والعقوبات والدمار.
لكن هذا الجدل، على أهميته، غالباً ما يغفل السؤال الأهم: إذا كانت القوى الخارجية هي العامل الحاسم وحده، فلماذا نجحت دول الخليج في تجنب المصير الذي عرفته دول المشرق العربي؟ ولماذا تحولت بلدان مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن إلى ساحات صراع مفتوحة، بينما استطاعت دول الخليج المحافظة على استقرارها النسبي والانطلاق في مشاريع تنموية كبرى؟
الحقيقة أن ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية لا يمكن تفسيره بنظرية المؤامرة وحدها، ولا بنظرية "المقاومة" وحدها، بل هو نتاج تفاعل بين طموحات القوى الإقليمية والدولية من جهة، وقدرة الدول المحلية على حماية نفسها من جهة أخرى.
فمن المؤكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل استخدمتا القوة العسكرية لتحقيق أهداف استراتيجية. غزو العراق عام 2003 كان قراراً أميركياً أدى إلى تفكيك أحد أهم مراكز التوازن في المنطقة، فيما خاضت إسرائيل حروباً متكررة في لبنان وغزة وسوريا تحت عناوين أمنية مختلفة. ومن المؤكد أيضاً أن إيران، منذ الثورة الإسلامية، انتهجت سياسة تقوم على توسيع النفوذ عبر حلفاء محليين في أكثر من دولة عربية، ما أدى إلى خلق واقع إقليمي جديد قائم على الصراع المستمر بين المحاور.
غير أن السؤال الجوهري يبقى: لماذا نجحت بعض الدول في احتواء تأثير هذه الصراعات فيما فشلت دول أخرى؟
الجواب يكمن في مفهوم الدولة نفسه.
في الخليج، ورغم كل التحديات، بقي السلاح بيد الدولة، وبقي القرار الاستراتيجي محصوراً بالمؤسسات الرسمية. لم تسمح هذه الدول بقيام سلطات موازية تنازعها السيادة أو تحتكر قرار الحرب والسلم. كما أن الثروة النفطية لم تُستخدم فقط لزيادة الرفاه، بل لبناء مؤسسات وبنى تحتية واقتصادات قادرة على استيعاب التوترات الاجتماعية والسياسية.
أما في المشرق العربي، فقد تحولت الدولة تدريجياً إلى ساحة تنافس بين الولاءات والانتماءات المتعددة. وأصبحت الهوية السياسية مرتبطة بالمحاور الإقليمية أكثر من ارتباطها بالمصلحة الوطنية. وهكذا وجد لبنان نفسه في قلب الصراع العربي الإسرائيلي، ثم في قلب الصراع السوري، ثم في قلب المواجهة الإيرانية الإسرائيلية. والعراق تحول إلى ساحة صراع بين واشنطن وطهران. وسوريا أصبحت مسرحاً لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية. أما اليمن فغرق في حرب استنزاف طويلة بين مشاريع متنافسة.
في هذا السياق، لا يبدو أن المشكلة الأساسية كانت وجود أميركا أو إيران أو إسرائيل بحد ذاته، بل قابلية بعض الدول للتحول إلى ساحات مفتوحة أمام صراعات الآخرين.
لقد أدركت دول الخليج، خصوصاً خلال العقدين الأخيرين، أن القوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الجيوش، بل بقدرة الدولة على جذب الاستثمارات وتطوير التكنولوجيا وبناء الاقتصاد. لذلك انتقلت الأولوية من تصدير الأيديولوجيات إلى استيراد المعرفة، ومن إدارة الصراعات إلى إدارة المشاريع.
في المقابل، بقيت أجزاء واسعة من المشرق العربي أسيرة معادلات الحرب الدائمة. فكل طرف اعتقد أن انتصاره على خصومه الإقليميين سيؤدي إلى نهضة وطنية، لكن النتيجة كانت العكس: تآكل الدولة، وهجرة الكفاءات، وتراجع الاقتصاد، وانعدام الثقة بالمؤسسات.
لا يعني ذلك أن الخليج يعيش في عالم مثالي أو أنه بمنأى عن المخاطر. فالمنطقة الخليجية نفسها شهدت حروباً وأزمات وتهديدات أمنية خطيرة. إلا أن الفارق الأساسي كان في قدرة هذه الدول على منع انتقال الصراع إلى داخل بنية الدولة نفسها، والحفاظ على أولوية الاستقرار والتنمية.
إن الخلاصة الأهم التي تقدمها تجربة العقود الماضية هو أن الدول لا تنهار فقط بسبب المؤامرات الخارجية، ولا تنجو فقط بفضل الثروات الطبيعية. ما يصنع الفارق في النهاية هو وجود دولة قادرة على احتكار القوة، وتحديد مصالحها الوطنية بعيداً عن منطق المحاور، وتوجيه مواردها نحو التنمية بدلاً من الصراع.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه اللبنانيون والعرب اليوم ليس من المسؤول أكثر عن مآسي المنطقة، أميركا وإسرائيل أم إيران وحلفاؤها، بل كيف يمكن بناء دولة لا تصبح رهينة لأي منهما. فالدول القوية لا تلغي الجغرافيا السياسية ولا تمنع الصراعات الدولية، لكنها تمنع أن تتحول أراضيها وشعوبها إلى وقود لهذه الصراعات.
وهنا يكمن الفرق بين تجربة المشرق وتجربة الخليج: الأولى جعلت الدولة أداة في الصراع، والثانية جعلت الصراع أداة لحماية الدولة ومصالحها. وبين النموذجين يتحدد مستقبل المنطقة في العقود المقبلة.