منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان عام 2019، ثم تفاقم الأوضاع الأمنية والحرب خلال السنوات الأخيرة، لم تعد المدرسة اللبنانية مساحة متكافئة تضمن حق التعليم لجميع الأطفال، بل تحولت إلى مرآة تعكس حجم التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين اللبنانيين. فقد أدت الانهيارات المتتالية إلى تعميق الفجوة التعليمية بين التلامذة، وحرمان آلاف الأطفال من حقهم الأساسي في التعلم، في وقت يفترض أن يكون التعليم أحد أهم أدوات العدالة الاجتماعية وإعادة بناء المجتمع.
وتشير المعطيات الحديثة الصادرة عن منظمة اليونيسف عام 2026 إلى أن أكثر من 25% من الأطفال في لبنان ما زالوا خارج المدرسة أو خارج عملية التعلّم الفعلية حتى بعد فترات التهدئة، بعدما تجاوزت النسبة 65% خلال ذروة الحرب والنزوح. كما تؤكد المنظمة أن السبب الرئيسي لعدم التحاق الأطفال بالمدارس لم يعد تربوياً بل اقتصادياً، إذ أرجعت ثلثا العائلات التي توقّف أطفالها عن الدراسة ذلك إلى عدم قدرتها على تحمّل تكاليف النقل والقرطاسية والرسوم المدرسية.
وقد ساهمت سلسلة القرارات الاستثنائية المرتبطة بالامتحانات الرسمية خلال السنوات الأخيرة، بما فيها إلغاء بعض الامتحانات أو تعديل آليات التقييم، في خلق فجوة إضافية بين المتعلمين. فغياب المعايير الموحدة للتقييم، إلى جانب الإضرابات المتكررة للمعلمين والانقطاع الطويل عن الدراسة، أدى إلى خسارة آلاف الساعات التعليمية وإضعاف مستوى التحصيل العلمي. كما أن إلغاء بعض الاستحقاقات الرسمية، ومنها امتحانات البكالوريا الفرنسية في ظروف استثنائية، أثار جدلاً واسعاً حول تكافؤ الفرص بين التلامذة وحول مدى جهوزية الأجيال الحالية للانتقال إلى التعليم الجامعي في ظل هذا التراجع التربوي.
وفي المقابل، تمكنت بعض المدارس الخاصة من الحفاظ نسبياً على استمرارية التعليم بفضل إمكاناتها المادية واعتمادها على التعليم الرقمي أو الدعم الخارجي، بينما عانت المدارس الرسمية من نقص حاد في التمويل والتجهيزات والكادر التعليمي. وقد أدى ذلك إلى نشوء تعليم بسرعتين داخل المجتمع اللبناني: تعليم قادر على الاستمرار لمن يملك الإمكانات المادية، وتعليم متعثر أو منقطع للفئات الأكثر فقراً وهشاشة.
وتبقى الفئات الأكثر ضعفاً هي الأكثر تضرراً من هذه الأزمة. فالأطفال الذين ينتمون إلى عائلات منخفضة الدخل أو يعيشون في المناطق المهمشة يواجهون خطر التسرب المدرسي بشكل أكبر. كما أن اللاجئين يدفعون ثمناً مضاعفاً نتيجة هشاشة أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. وتشير تقارير المنظمات الدولية إلى أن نسباً مرتفعة من الأطفال اللاجئين لا تزال خارج النظام التعليمي، خصوصاً في المرحلة الثانوية، ما يهدد بإنتاج جيل كامل محروم من فرص التعلم والاندماج الاجتماعي.
وقد زادت الحرب الأخيرة من حدة هذه الأزمة. فبحسب منظمة اليونسكو، تجاوز عدد النازحين داخلياً في لبنان المليون شخص خلال عام 2026، بينهم ما يقارب 500 ألف طفل في سن الدراسة. كما أفادت المنظمة بأن أكثر من 285 ألف طفل كانوا في حالة نزوح داخلي بحلول آذار 2026، في وقت أُغلقت فيه مدارس عديدة أو تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، ما أدى إلى تعطيل الدراسة لمئات آلاف التلامذة.
ولا تقتصر تداعيات الانقطاع عن التعليم على الجانب الأكاديمي فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية للأطفال. فقد أكدت اليونيسف أن المدرسة تؤدي دوراً أساسياً في توفير بيئة آمنة وداعمة نفسياً للأطفال، خصوصاً في أوقات الحروب والأزمات. إلا أن النزوح المتكرر، والخوف المستمر، وفقدان الروتين اليومي المرتبط بالمدرسة، كلها عوامل أدت إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر والاضطرابات النفسية لدى الأطفال
وتكشف الأرقام الحديثة حجم هذه المأساة الإنسانية. ففي ربيع عام 2026، أعلنت اليونيسف أن أكثر من 370 ألف طفل اضطروا إلى مغادرة منازلهم خلال ثلاثة أسابيع فقط نتيجة التصعيد العسكري، بمعدل يقارب 19 ألف طفل نازح يومياً، فيما تعطلت دراسة أكثر من 150 ألف تلميذ بسبب تحويل المدارس إلى مراكز إيواء
وتشير الدراسات النفسية المرتبطة بالنزاعات المسلحة إلى أن الانقطاع الطويل عن المدرسة يزيد من احتمالات الإصابة بالصدمات النفسية، واضطرابات النوم، وصعوبات التركيز والتعلم، كما يرفع من مخاطر عمالة الأطفال والزواج المبكر والعنف الأسري والتسرب النهائي من التعليم.
وتحذر منظمة اليونسكو من أن تدمير الاستقرار التعليمي يؤدي إلى آثار بعيدة المدى تتجاوز سنوات الحرب نفسها، لأن المدرسة لا تمثل فقط مكاناً للتعلم، بل فضاءً للحماية الاجتماعية وبناء العلاقات وتطوير المهارات الحياتية وبالتالي فإن فقدان هذا الإطار يهدد بتكوين جيل يعاني من هشاشة نفسية واجتماعية طويلة الأمد.
إن أخطر ما في الأزمة التعليمية الحالية في لبنان لا يكمن فقط في ارتفاع أعداد الأطفال خارج المدرسة، بل في تكريس عدم المساواة بين أبناء المجتمع الواحد. فبينما يستطيع بعض الأطفال متابعة تعليمهم ضمن بيئات مستقرة نسبياً، يجد آخرون أنفسهم محرومين من أبسط حقوقهم التعليمية بسبب الفقر أو النزوح أو غياب الاستقرار الأمني. وهكذا يتحول التعليم، الذي يفترض أن يكون أداة للعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق، إلى عامل جديد لإعادة إنتاج التهميش والفقر والانقسام الاجتماعي.
وفي ظل غياب خطة وطنية شاملة لإعادة بناء القطاع التربوي وضمان استمرارية التعليم في حالات الطوارئ، تبدو المخاطر أكبر من مجرد تراجع أكاديمي مؤقت. فلبنان يواجه اليوم احتمال خسارة جيل كامل من الأطفال والشباب، ليس فقط على المستوى التعليمي، بل أيضاً على المستوى النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وهو ما قد ينعكس على مستقبل البلاد لعقود طويلة قادمة.
(UNICEF, 2026: https://www.unicef.org/lebanon/press-releases/decline-
childrens-mental-health-nutrition-and-education-after-war-lebanon
(UNICEF, 2026: https://www.unicef.org/lebanon/press-releases/average-19000-children-displaced-daily-escalating-violence-uproots-20-cent-lebanons).
(UNESCO, 2026: https://www.unesco.org/en/articles/liban-lunesco-renforce-ses-operations-durgence-pour-la-scolarisation-des-populations-deplacees).
(UNESCO, 2026: https://www.unesco.org/en/articles/every-student-deserves-right-learn-protecting-education-lebanon-times-conflict).
(UNICEF, 2026: https://www.unicef.org/lebanon/press-releases/average-19000-children-displaced-daily-escalating-violence-uproots-20-cent-lebanons).