إيران الحرّة 2026... تثبيت خيار التغيير

4 دقائق للقراءة

لم يكن منع التظاهرة الإيرانية الكبرى في باريس اليوم مجرّد تفصيل أمني أو قرار إداري عابر، بل تحوّل إلى حدث سياسي كشف طبيعة الصراع الدائر حول مستقبل إيران. فالتظاهرة، التي كان من المقرر أن يشارك فيها نحو مئة ألف من الإيرانيين وأنصار المقاومة الإيرانية، جاءت في لحظة حساسة بعد حرب وأزمات إقليمية متلاحقة، وبعد تصاعد النقاش الدولي حول ما إذا كان الحل في إيران يمر عبر الحرب، أو المساومة، أو دعم إرادة الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.

ورغم منع التظاهرة المركزية، لم ينجح القرار في إسكات الرسالة السياسية. فقد شهدت باريس تجمعات واسعة لأنصار المقاومة، فيما انعقد مؤتمر "إيران الحرّة 2026" في مقر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بحضور مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وعدد من الشخصيات الدولية البارزة، بينها شارل ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، وبوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وجون بيركو، رئيس مجلس العموم البريطاني السابق من 2009 إلى 2019، ودميترو كوليبا، وزير خارجية أوكرانيا السابق، وجون بيرد، وزير خارجية كندا الأسبق، وروبرت توريشيلي، السيناتور الأميركي السابق، وأليخو فيدال كوادراس، نائب رئيس البرلمان الأوروبي السابق.

في كلمتها، أكدت مريم رجوي أن المقاومة الإيرانية، التي طالبت بالحرّية والسلام على مدى نحو خمسة عقود، ترحّب بأي تفاهم ينهي الحرب ومعاناة الشعب الإيراني. لكنها شددت في المقابل على أن المشروع النووي، وإثارة الحروب، والتدخل في دول المنطقة، ليست سياسات طارئة، بل جزء من استراتيجية بقاء نظام ولاية الفقيه. فالحرب، بحسب هذا المنظور، كانت دائمًا درعًا يحتمي به النظام من الانتفاضات الداخلية، بينما يشكل وقف الحرب والسلام الحقيقي "سمًّا" له، لأنه يرفع عنه غطاء الأزمة الخارجية ويضعه وجهًا لوجه أمام المجتمع الإيراني الغاضب.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في لبنان، البلد الذي دفع ثمنًا باهظًا من جرّاء سياسات طهران الإقليمية ومن تحويله إلى ساحة نفوذ وورقة تفاوض عبر الميليشيات. فالأزمة اللبنانية لا تنفصل عن طبيعة النظام الحاكم في إيران، الذي يستخدم أدواته الخارجية لتمديد عمره السياسي، ويستثمر في الحروب والتوترات لمنع قيام دول مستقلّة بقرارها وسيادتها. لذلك، فإن طرح "إيران حرّة وديمقراطية" لا يخص الإيرانيين وحدهم، بل يمس أيضًا أمن لبنان والمنطقة، واستعادة مفهوم الدولة الوطنية من قبضة المشاريع العابرة للحدود.

قدّم شارل ميشيل في كلمته صياغة واضحة للمعادلة: الاسترضاء لا ينجح، والحرب لا تعالج جذور المأساة، والبديل هو المقاومة المنظمة والديمقراطية. وأشار إلى أن خطة مريم رجوي ذات النقاط الـ 10 تقدّم تصورًا لإيران ديمقراطية، علمانية، غير نووية، تعيش بسلام مع شعبها وجيرانها. أما بوريس جونسون، فأكد أن القصف والصواريخ لا تمنحان الشعب الإيراني الحرّية، وأن التغيير يجب أن يأتي من داخل إيران، عبر شعب يريد مستقبلا مختلفًا. وربط دميترو كوليبا بين تجربة الأوكرانيين في مواجهة العدوان والاستبداد، ونضال الإيرانيين، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا الإيرانية المستخدمة في المسيّرات الروسية جعلت شعوبًا أخرى تشعر مباشرة بخطر هذا النظام.

ما خرج من باريس، رغم المنع، كان أكثر من مؤتمر سياسي. كان إعلانًا بأن مستقبل إيران لا يمكن اختزاله بين حرب خارجية ومساومات موَقتة. الطريق الثالث، كما ظهر في كلمات المشاركين، هو الاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاط النظام، ودعم مقاومته المنظمة، وفتح الطريق أمام جمهورية ديمقراطية لا تصدّر الحروب ولا ترتهن مستقبل المنطقة.

ومن لبنان، حيث يتقاطع سؤال السيادة مع سؤال النفوذ الإيراني، تبدو هذه الرسالة أكثر إلحاحًا. فلا استقرار حقيقيًا في المنطقة من دون إيران حرّة، ولا إيران حرّة من دون شعب يقرّر مصيره ويعيد بلاده إلى موقعها الطبيعي: دولة سلام لا مصدر تهديد، وجمهورية ديمقراطية لا قاعدة لتصدير الأزمات.