فادي بدران

من العثمانيين إلى الفرنسيين: المراحل السياسية في عمارة بيروت

5 دقائق للقراءة

من عجائب بيروت أنك تستطيع أن تعبر قرونًا من الزمن في نزهة واحدة بعد الظهر. فبضع خطوات في الأشرفية أو زقاق البلاط كفيلة بأن تنقلك من منزل عثماني ذي نوافذ ثلاثية الأقواس إلى واجهة تعود إلى زمن الانتداب الفرنسي، مزيّنة بشرفات من الحديد المشغول ونوافذ متناظرة. هذا الانتقال ليس مفاجئًا، بل متدرِّجًا ومتراكمًا. وإذا تأمّلت جيّدًا، فستبدأ في ملاحظة كيف تعيد السلطة السياسية تشكيل النمط المعماري.

في ظل الحكم العثماني، كانت بيروت مدينة تقوم حول مرفأ وتنمو تدريجيًّا خلال القرن التاسع عشر. صُمِّمت المنازل وفق مفهوم الحياة العائلية؛ إذ كانت القاعة الوسطى والغرف المترابطة تشجع على التفاعل اليومي بين أجيال متعددة تعيش تحت سقف واحد. كانت الخصوصية موجودة، لكنها لم تكن المبدأ المنظِّم للحياة المنزلية؛ بل كانت الجماعة والعائلة الممتدة هما الأساس.

جسّدت العمارة آنذاك بنية اجتماعية قائمة على روابط القرابة والجوار والتكافل. ولم تكن الأفنية الداخلية مجرّد حلول مناخية للتبريد والتهوية، بل فضاءات اجتماعية تُروى فيها الحكايات، وتنقل التقاليد والذاكرة العائلية من جيل إلى آخر. أما النافذة الثلاثية الأقواس، فقد أصبحت إحدى أبرز سمات العمارة البيروتية. وكانت عنصرًا عمليًا ورمزيًا في الوقت نفسه، تربط الحياة الداخلية بالشارع، مع الحفاظ على الوقار والتوازن المعماري. لم تكن هذه المنازل تسعى إلى الهيمنة على الأفق العمراني، بل كانت تنتمي إليه وتنسجم معه.

ثم جاء الانتداب الفرنسي في عام 1920. تغيّرت السلطة السياسية، ومعها تغيّرت الطموحات العمرانية. لم تعد بيروت مجرّد ميناء إقليمي، بل أُعيد تصوّرها عاصمة متوسطية ذات توجه أوروبي. حمل الانتداب الفرنسي رؤية مختلفة للحياة الحضرية؛ فظهرت الشوارع العريضة والمرافق الإدارية والمباني السكنية الحديثة، بما يعكس توجُّهًا نحو مجتمع أكثر مركزية وحداثة. وأصبحت الفضاءات العامة تُنظَّم بشكل متزايد حول المؤسسات بدلا من الأحياء التقليدية. كما توسّعت المدينة خارج شبكات العلاقات العائلية المعتادة، مما أتاح أشكالا جديدة من التفاعل الاجتماعي، مرتبطة بالتجارة والتعليم والإدارة العامة.

في وسط بيروت، جسدت مناطق مثل «ساحة النجمة» هذا التحوّل بوضوح. فقد أعادت الشوارع الواسعة و «برج الساعة» والواجهات المستوحاة من التخطيط العمراني الفرنسي تشكيل قلب المدينة. أصبحت الشرفات أكثر زخرفة، وحلّ التناظر محل العفوية التي ميّزت النسيج العمراني القديم. وبدأت المباني تُعبّر عن حضور الدولة ومؤسساتها، لا عن الحياة المنزلية وحدها.

ومع ذلك، لم تتخلَّ بيروت بالكامل عن جذورها العثمانية، بل اختارت المزج بين التأثيرات المختلفة. فكثير من مباني الانتداب احتفظت بالحجر المحلي، وظهرت الأقواس الثلاثية إلى جانب الزخارف الأوروبية. لم تكن النتيجة تقليدًا لباريس، بل عملية تكيّف وإعادة تفسير. لقد استوعبت بيروت التأثيرات الخارجية، لكنها أعادت صياغتها ضمن سياقها المشرقي وباستخدام موادها المحلية. فالعمارة لا تعكس الأنظمة السياسية فحسب، بل تُسهم أيضًا في تشكيل الطريقة التي يعيش بها الناس معًا.

لقد أثر هذا التحوّل في كيفية فهم سكان بيروت لمعاني المواطنة والانتماء. فإذا كانت العمارة العثمانية تؤكّد أهمية المنزل والعائلة والمجتمع القريب، فإنّ التخطيط العمراني في عهد الانتداب شجّع على الانخراط في فضاء مدني أوسع. وأصبحت الساحات العامة والمباني الحكومية والمدارس والمراكز الثقافية أماكن يلتقي فيها أفراد من خلفيات مختلفة، ويشاركون في صياغة هوية حضرية ناشئة.

ومن نواح عديدة، يعكس تعايش هذَين التقليدَين المعماريَّين الشخصية الاجتماعية لبيروت نفسها. فالمدينة لطالما وازنت بين الحميمية والانفتاح، وبين الهويات المحلية والطموحات الكوزموبوليتية. وتكشف مبانيها عن حوار مستمر بين الحياة الخاصة والحياة العامة، وبين الموروث والتغيرات السياسية المتعاقبة.

ولعل هذا ما يجعل فقدان المباني التاريخية أمرًا مؤلمًا إلى هذا الحد. فعندما يختفي منزل قديم، لا نفقد مجرّد واجهة جميلة أو تفصيلا زخرفيًا؛ بل نفقد سجلا يوثق كيف عاش الناس معًا، وكيف تفاعلت المجتمعات المحلية، وكيف فهمت الأجيال المختلفة علاقتها بالمدينة وبعضها ببعض. وهذا يذكّرنا بأنّ المدن ليست فضاءات محايدة؛ فهي تتشكّل بفعل السلطة والطموح والهوية. وعندما تهدم المنازل التاريخية لصالح الأبراج الحديثة، يختفي الحوار المرئي بين العصور المختلفة، ويصبح المشهد العمراني أقل تعدُّدًا، وتختزل الطبقات السياسية والتاريخية في واقع عمراني معاصر تحكمه المضاربة العقارية.

إنّ الحفاظ على العمارة العثمانية وعمارة الانتداب الفرنسي لا يعني الانحياز إلى هوية دون أخرى، بل الاعتراف بأن بيروت كانت دائمًا مدينة متعددة ثقافيًا ودينيًا ومعماريًا. واليوم، نقف أمام مفترق طرق جديد.

فالسؤال ليس ما إذا كانت بيروت ستتغيّر، فهي لم تتوقف يومًا عن التغيّر؛ بل ما إذا كنا سنسمح لطبقاتها السياسية والتاريخية بأن تبقى مرئية ومقروءة ومتاحة للأجيال القادمة. فحين تحفظ العمارة الذاكرة، يصبح التاريخ شيئًا يمكن لمسه. وبيروت، أكثر من معظم المدن، تستحق أن تحافظ على طبقاتها المتراكمة حية وواضحة.