منذ توقيع اتفاق القاهرة عام 1969، دخل لبنان في مسار سياسي وأمني بالغ التعقيد، حين وافقت الدولة اللبنانية على منح تنظيمات مسلحة حقاً عملياً في التأثير على قرار سيادي يفترض أن يبقى حصراً بيد الدولة: قرار السلم والحرب. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد لبنان دولة حرة بالكامل، بل تحوّل تدريجياً إلى مساحة تتقاطع فوقها الصراعات الإقليمية والدولية، فتراكمت الأزمات والحروب، ودفع اللبنانيون أثماناً باهظة من دمائهم واقتصادهم واستقرارهم.
لم يكن اتفاق القاهرة سوى الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من التسويات التي شرّعت وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة. فخلال تسعينيات القرن الماضي، وبعد تطبيق اتفاق الطائف، كرّس قائد الجيش آنذاك، العماد إميل لحود، معادلة جديدة عنوانها حماية سلاح المقاومة. وقد تحدث لحود مراراً في مقابلات صحفية عن كيفية تحديه قرارات حكومية، واستنجاده بالرئيس السوري حافظ الأسد للحفاظ على هذه المعادلة. وبعد أكثر من عقد، جاء تفاهم مار مخايل ليعيد إنتاج الإشكالية نفسها من زاوية مختلفة، عبر توفير غطاء سياسي داخلي لسلاح حزب الله.
اليوم، يبدو أن النقاش اللبناني يعود إلى المربع ذاته. تتغير الشعارات والعناوين، فبعد شعار الحفاظ على "المقاومة" في زمن لحود، يبرز اليوم شعار "الحفاظ على السلم الأهلي" أو "منع الفتنة" لتبرير التلكؤ في تنفيذ قرارات الدولة. ومنذ عام 1969 وحتى اليوم، يبقى جوهر الأزمة واحداً: هل تستطيع دولة أن تستقر فيما قرار الحرب والسلم ليس حكراً عليها؟
لقد ساهمت هذه المعادلات المتعاقبة في تكريس صورة لبنان كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية أكثر منه دولة مستقلة قادرة على حماية مصالحها الوطنية. فكلما اشتدت التوترات بين القوى الكبرى أو القوى الإقليمية، وجد لبنان نفسه في قلب المواجهة، يدفع الأكلاف من دون أن يكون شريكاً فعلياً في صناعة القرار.
اليوم، يعيش الشرق الأوسط بين موجات من التهدئة والتصعيد على خلفية المفاوضات والاشتباك المستمر بين إيران والولايات المتحدة. وتاريخياً، تنتهي الحروب عبر أحد ثلاثة مسارات: انتصار حاسم لطرف على آخر، أو اقتناع الأطراف المتحاربة بجدوى السلام، أو الاكتفاء بوقف مؤقت للقتال تمهيداً لجولات صراع جديدة. وفي الشرق الأوسط، كان الخيار الثالث غالباً هو الأكثر حضوراً.
من هنا، لا يبدو أن الهدنات الحالية تعني بالضرورة ولادة سلام دائم. فكل طرف يسعى إلى استثمار الوقت لمراجعة حساباته وإعادة ترتيب أوراقه. فقد ترى إيران في أي تهدئة فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم قدراتها، فيما تستفيد الإدارة الأميركية من خفض احتمالات التصعيد وتداعياته الاقتصادية، ولا سيما على أسعار الطاقة والأسواق العالمية، بما ينعكس إيجاباً على أوضاعها الداخلية.
أما في إسرائيل، فإن أي توقف للحرب يحمل أبعاداً سياسية داخلية معقدة. فاستمرار التعبئة العسكرية يمنح القيادة السياسية هامشاً أوسع للمناورة، بينما قد يؤدي تراجع منسوب التهديدات إلى عودة الملفات السياسية والقضائية الداخلية إلى الواجهة. لذلك، قد ترى بعض الأوساط الإسرائيلية في استمرار التوتر، ولو بوتيرة أقل، مصلحة استراتيجية في هذه المرحلة.
أما لبنان، فحتى لو تراجعت حدة المواجهة، فإن خطر الانزلاق إلى جولات جديدة من التوتر سيظل قائماً ما دام السبب الجوهري للأزمة لم يُعالج بعد: غياب الدولة القادرة على احتكار القوة وفرض سيادتها الكاملة على أراضيها.
لقد أثبتت العقود الماضية أن التسويات المؤقتة قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تصنع سلاماً حقيقياً. فالسلام الذي لا يستند إلى دولة قوية، ومؤسسات فاعلة، وسيادة واضحة، يبقى مجرد سراب في صحراء الشرق الأوسط المتقلبة.