رشا الخطيب

الخيانة الجديدة، أن تحب وطنك!!!!

3 دقائق للقراءة

في لبنان، لا تحتاج إلى أن ترتكب خيانة وطنية حتى تُخوَّن. يكفي أن تقول إنك تعبت، من الحروب، من الدمار، من الخوف من انتظار جولة جديدة من الحرب وكأنها قدر مكتوب على لبنان واللبنانيين.

يكفي أن تقول إنك تريد دولة، فيخرج من يشكك بوطنيتك. يكفي أن تقول إنك لا تريد أن يسقط المزيد من الشباب من أبناء الوطن في حروب عبثية ليتهمك البعض بأنك تساند العدو. 

لا أبحث عن شهادة بالوطنية من أحد، ولا أحتاج إلى من يعلّمني كيف أحب بلدي.

حبي للبنان لا يُقاس بعدد الضحايا الذين يسقطون، ولا بعدد الحروب التي يجد من يخوضها المبررات لها. حبّي للبنان يُقاس برغبتي في أن يبقى هذا البلد متقدمًا على كل المستويات، وأن يبقى أهله فيه، وأن يكون لأبنائه مستقبلا من دون أن يصبح وطنهم حقيبة سفر كما هي الحال في هذه الأيام.

من قال إن المطالبة بالمفاوضات تعني الاستسلام؟ ومن قال إن السعي إلى الاستقرار يعني بيع القضية أو التخلي عن الأرض؟ هل الوطنية تعني أن يفكر الجميع بطريقتك؟؟ وأن يكون رأيك هو الصواب؟ وهل كل من يفكر بطريقة مختلفة هو خائن؟

كما كل الجنوبيين، أنا ابنة هذه الأرض من أقصى الجنوب أنا، هناك مقابر الأجداد، ومنازل لعبنا فيها وكبرنا، ولا يمكن التخلي عن شبر واحد من أرضنا. لا أطالب بالتخلي عن السيادة ولا عن الحقوق. لكنني أطالب بحق اللبنانيين في أن يعيشوا حياة كريمة بعيدة عن النزوح والحروب التي تجلب لهم الموت والدمار. أطالب بحق الأم أن لا تنتظر اتصالاً يخبرها أن ابنها قُتل. أطالب بحق الطفل أن يكبر وهو يواصل تحصيله العلمي بعيدًا عن لغة الحديد والنار وأصوات القذائف والصواريخ. أطالب بحق الشاب اللبناني أن يحلم بوظيفة ومنزل ومستقبل في وطنه، لا بطائرة تقلّه إلى بلد آخر لأن وطنه لم يعد يتسع لأحلامه.

الحقيقة التي يخشى كثيرون قولها بصوت مرتفع هي أن اللبنانيين دفعوا أثماناً باهظة لصراعات لم يقرروا هم خوضها. خسرنا اقتصادنا، وخسرنا استقرارنا، وخسرنا آلاف الشباب الذين هاجروا بحثاً عن حياة طبيعية ومستقرة . وفي كل مرة يُطلب منا أن نتحمل أكثر، وأن نصمت أكثر، وأن نقتنع بأن المزيد من الخسائر هو انتصار.

لكن أي انتصار هذا الذي يجعل البلد أفقر، والناس أكثر خوفاً، والشباب أكثر يأساً؟

ليس عيباً أن نسأل إن كانت هذه الحروب حروبنا فعلاً. وليس عيباً أن نسأل لماذا يُفترض دائماً أن يدفع اللبناني ثمن معارك الآخرين. وليس عيباً أن نرفض أن يبقى وطننا صندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية والدولية.

عندما تتحول انسانية الانسان هدفا، وتصبح قضيته ورفاهيته في أولويات السلطة من دون تمييز بين أبناء الوطن الواحد عندها يصبح الوطن عصيًا على كل محاولات إيجاد الانقسامات بين ابنائه، ويخرج من دائرة الوطن الساحة الى رحاب الوطن الجامع المحصن في مواجهة كل من يريد أن يعبث بأمنه وبحياة أبنائه.

ما نريده دولة تحكم، جيشًا يحمي، مؤسسات تعمل، واقتصادًا يسمح للناس بأن تعيش بكرامة. نريد وطناً يصدّر المعرفة والخير كما كان دائمًا، ويصنع الفرص لا المآتم.

رفضي للحرب ينبع من هذا الخيار القادر على إعادة لبنان إلى عمقه العربي قادرًا على الانصهار في محيطه، ليس المطلوب أن يسود لبنان وجهة نظر واحدة،

لبنان هو هذه الرسالة القائمة على التعدد ولكن تحت سقف الدولة الواحدة القادرة على صنع مستقبل أبنائها من دون التوصيفات الجاهزة والمتعددة ومن أبرزها توصيف الآخر بالعميل والخائن.

الوطن يستحق أن نفديه بأرواحنا ولكن بعيدًا عن الولاءات المتعددة، حان الوقت لنستفيد من أخطائنا القاتلة ليعود لبنان دولة موحدة قوية، منارة في هذا الشرق.