محمد دهشة

وقف إطلاق النار: ترقب حذر في الجنوب وعودة مؤجلة للنازحين

3 دقائق للقراءة

تتجه الأنظار في لبنان إلى مدى التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار المعلن مع "حزب الله"، وسط مخاوف من تكرار خروقات سابقة أدت إلى سقوط ضحايا وجرحى، بعد اتفاقات تهدئة مماثلة لم تصمد على أرض الميدان.

وتسود أجواء الحذر مناطق الجنوب، حيث لا تزال عودة آلاف النازحين إلى بلداتهم غير محسومة ومؤجلة حتى إشعار آخر، بانتظار اتضاح مدى تثبيت وقف إطلاق النار فعليًا، فيما يستعيد الأهالي تجارب سابقة، حين عاد عدد كبير منهم إلى قراهم بعد إعلانات مماثلة، قبل أن تُفاجئهم اعتداءات إسرائيلية أسفرت عن سقوط نحو 100 ضحية وأكثر من 200 جريح.

على الأرض، بدت حركة العودة إلى القرى الجنوبية خجولة في يومها الأول، قبل أن تنشط تدريجيًا خلال اليومين التاليين، ولا سيما باتجاه مدينة صور وقرى قضائها. أما في النبطية والقرى المحيطة بها، فقد بقي الحذر سيّد الموقف، وسط مخاوف من تجدّد الاعتداءات الإسرائيلية ودعوات البلديات إلى التريث والانتظار.

وانقسم النازحون إلى ثلاث فئات: الأولى سارعت إلى العودة لأن بلداتها تقع في مناطق أقل تعرضًا للخطر، ضمن أقضية صيدا وصور وبنت جبيل. أما الفئة الثانية، فعادت لتفقّد المنازل والاطمئنان إلى مصيرها، فوجد كثيرون أن بيوتهم تحولت إلى ركام، ما أجبرهم على العودة إلى مراكز الإيواء، فيما فضّل آخرون الانتظار لبعض الوقت قبل اتخاذ قرار نهائي.

أما الفئة الثالثة، وهي الأكبر عددًا، فلم تتمكن من العودة أصلا، لأن بلداتها ما زالت واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر أو تحت سيطرة النيران والاستهدافات المستمرة، ضمن ما سمّته إسرائيل "الخط الأصفر"، سواء أكانت منازلهم سليمة أم مدمرة.


إصرار على العودة

في مركز الإيواء في مدرسة الإصلاح الرسمية المختلطة في صيدا، خيّم الحزن على النازحين والمتطوعين معًا، وهم يقرؤون سورة "الفاتحة" على روح المعلّمة فيها، ضياء عطوي، التي سقطت ضحية غارة إسرائيلية على بلدة قناريت. ويقول المشرف على المركز أحمد البني لـ"نداء الوطن" إن الحماسة للعودة تكاد تكون جامعة بين النازحين، فالعلاقة بين الإنسان الجنوبي وأرضه تتجاوز حدود السكن إلى الانتماء والهوية والذاكرة. إلا أن استمرار الاحتلال المباشر أو غير المباشر لبعض المناطق، إضافة إلى الدمار الواسع الذي طال المنازل، يحول دون عودة أعداد كبيرة من الأهالي حتى الآن.

في أحد أروقة المركز، جلست "أم علي" نصار، من بلدة شقرا، داخل خيمة صغيرة، تستعيد شريطًا طويلا من الذكريات. قبل عشرين عامًا، وفي المكان نفسه، أنجبت ابنها علي خلال حرب تموز عام 2006. واليوم تعود إليها المشاهد ذاتها؛ فقد نزحت معه، لكنها تؤكد أن سنوات النزوح والمعاناة لم تنتزع من قلبها يقين العودة.

تقول "أم علي": "عدت إلى بلدتي شقرا ووجدت منزلي متضررًا بشدة، ورغم ذلك أقمنا فيه أيامًا عدة، لكننا اضطررنا إلى العودة إلى مركز الإيواء مع اشتداد الغارات الإسرائيلية. سننتظر حتى يطمئن القلب، لكننا سنعود حتمًا بفضل الصمود والدماء".

أما فاطمة علي، من بلدة عيترون، فلم تتمكن من العودة إلى بلدتها منذ نزوحها الأول خلال حرب إسناد غزة في تشرين الأول 2023، لكونها من قرى الحافة الأمامية. تنقلت من مركز إيواء إلى آخر في صور، حتى استقر بها الحال هنا في صيدا. تنظر بحسرة إلى ما أصاب بلدتها من دمار واسع، وتقول: "إن الاحتلال الإسرائيلي غيّر معالمها حتى بات العثور على منزل سليم أمرًا نادرًا". ورغم ذلك، تؤكد أن محاولات كسر إرادة الأهالي ستفشل، وأن العودة ستبقى هدفًا لا تراجع عنه، مهما بلغت التضحيات.