صالح المشنوق

الدولة العميقة التي تتحكّم بلبنان

4 دقائق للقراءة

ما هي الدولة العميقة؟ بحسب التعريف القاموسي، هي شبكة سريّة أو غير مصرّح بها من مسؤولين حكوميين غير منتخبين، إضافة إلى قادة عسكريين أو استخباراتيين،تعمل خارج القانون من أجل التأثير على سياسة الحكومة، وغالبًا ما تكون مستقلة عن أو معارضة للقيادة السياسة المنتخبة في البلاد. المؤرخ راين جينجيراس، المتخصص بالتاريخ التركي، كتب أن التعبير أصله مترجم عن اللغة التركية، ويعود إلى وصف الشبكات السريّة التي رعتها جمعية الاتحاد والترقّي في الدولة العثمانية في بدايات القرن العشرين. يقول جنجيراس إن قادة الجمعية أنشأوا تحالفًا غامضًا من الميليشيات والعصابات لفرض سياساتهم الراديكالية.في التاريخ الحديث، يشار إلى دولتي مصر وتركيا كنموذجين لدول فيها "دول عميقة" قويّة ومؤثرة، بالنظر إلى حجم القوات العسكرية في الدولتين ومصالحها وعقيدتها المتجذرتين كما أنّ المفهوم دخل بقوّة إلى النقاش السياسي الأميركي وصعود نجم الرئيس ترمب الذي جعل من محاربة الدولة العميقة المفترضة فيه أميركيًا (خصوصا في القضاء والاستخبارات) جزءاً رئيسيًا من عناوين التعبئة السياسية لمشروعه الرئاسي.

باختصار، يمكننا القول إن الدولة العميقة عبارة عن شبكة غير منتخبة لكن متجذّرة في هيكلية الدولة، لها تأثير استثنائي على صنع السياسات وتنفيذها أو عدم تنفيذها. للشبكة مجموعة مصالح متداخلة مع "عقيدة" سياسية ما، وعادة تكون مؤلفة من رجال في العسكر، الاستخبارات والأمن، القضاء، والإدارة. "عمقها" يأتي ليس فقط من كونها غير منتخبة لكن من كونها تبقى في مكانها رغم التحولات السياسيّة: في بريطانيا يعرف أن السياسيين (here today, gone tomorrow) فيما "الإدارة" باقية لا تتزحزح، ويمكنها عرقلة عمل أي حكومة منتخبة بانتظار استبدالها بأخرى. بعيدًا من نظريات المؤامرة (خلايا سريّة تتحكم بالدول الخ) في كل دولة يوجد "دولة عميقة" لكن حجم تأثيرها وطبيعته وضرره يختلفان حتى أن الأكاديمي الشهير فرانسيس فوكوياما كتب مقالا بعنوان "دفاعًا عن الدولة العميقة"يقول فيه إن وجود إدارة غير سياسية ومحترفة ضروري لحماية المجتمع من تجاوزات السياسة.

في لبنان دولة عميقة خاصة به هي نتاج طبيعي لـ 15 عامًا من الاحتلال السوري، وعشرين عامًا من الوصاية الإيرانية. أي ما مجموعه 35 عامًا. في تلك السنوات، كل من أراد أن يتقدّم في "الدولة"، كان عليه تقديم فروض الولاء والطاعة لحاكم البلاد الفعلي. كان المسار عبارة عن عصا وجزرة، أي الاعتماد على عاملي الخوف والإغراء: إذا خضعت ترقّيت، وإذا خالفت أقصيت. هذا كان ينطبق على مسارات ثلاث: العسكر والأمن، القضاء، والإدارة. قلّة قليلة من الأشخاص استطاعوا، بدهاء ما، تجاوز المعادلة. أما البقيّة، فباتوا عن إيمان فعلي أو عن تطبّع مع الواقع جزء من منظومة الدولة العميقة، مع كل ما يتضمنه ذلك أدبيات و"مقدّسات وطنية" زرعها فيهم الاحتلالان السوري والإيراني. في العقد الأخير، كانت الطبقة السياسية المتحكّمة بالبلد أي منظومة المافيا والميليشيا توأمًا متلازمًا للدولة العميقة. تملك نفس طريقة تفكيرها، لهما نفس المصالح، ويؤمنان بنفس المسلمات السياسية أما اليوم ومع سقوط منظومة المافيا والميليشيا إثر هزيمة حزب الله في الحرب الأخيرة، بقيت الدولة العميقة الحارس الوحيد والأخير لمخلّفات زمن الوصاية على لبنان.

لا الظروف الموضوعية، ولا المقاربة الاستيعابية سمحا للرئيسين عون وسلام باقتلاع الدولة العميقة من جذورها إثر التحولات الاستراتيجية التي نتجت عن حرب إسناد غزّة 2023. صحيح الكثير من تعيينات الأمن والقضاء والإدارة التي حصلت في العام المنصرم، آخرها تعيين القاضي رامي الحاج مدّعيًا عاماً تمييزاً، أحدثت خرقًا جديًا في جدار الدولة العميقة لكن العشرات من مخلّفات التعيينات السابقة وبعض الجديدة (أمن الدولة مثالا) في مناصبهم، يرعاهم الأمين العام للدولة العميقة نبيه برّي.

إمعان في الفساد، تأييد للسلاح، ولاءات حزبية وطائفية، عقلية "تسووية" تحت شعار "السلم الأهلي":كأنهم النسخة الإدارية-الأمنية-القضائية للمافيا والميليشيا. يجدون طريقة "ذكيّة" للالتفاف على مسعى إصلاحي أو سيادي، فيعطلونه بحجّة "مصلحة وطنية" أغلبية الأوقات عنوانها "منع الفتنة". لهذا السبب وجد الجيش الإسرائيلي نفق طوله كيلومترات في جنوب الليطاني، منطقة كان المفترض أن قيادة الجيش اللبناني "نظفتها" من السلاح غير الشرعي. لا عجب، إنها الدولة العميقة عمق أنفاق الحزب. لذا قبل السلاح وبعده، تبقى معركة الدولة "تنظيف" نفسها من عمقها، إقالات ومحاكمات: here today, gone tomorrow