الدكتور سايد حرقص

في الولاية الثانية لترامب: ماذا بقي من توقّعات تشومسكي في «العالم... إلى أين؟»؟

5 دقائق للقراءة

​عندما صدر كتاب «العالم... إلى أين؟» للمفكر الأميركي نعوم تشومسكي عام 2017، بدا وكأنه صرخة تحذير لعالم يقف على حافة بركان مخيف من التحولات الجيو-سياسية الكبرى. يومها، لخص تشومسكي مأزق البشرية في ثلاثة أخطار داهمة: الانهيار المناخي المتسارع، وتآكل الديمقراطية لصالح كارتلات المال، وصعود القوميات الشعبوية.


​اليوم، ومع ترسيخ دونالد ترامب لظاهرته السياسية بعودته إلى البيت الأبيض، يبدو أن تحليل تشومسكي قد تحول من "قراءة استشرافية" إلى "واقع ". فالعالم بدأ يتجه رويدا رويدا للغرق في مستنقع الحروب، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، واستقطاب شعبوي غرائزي حاد يمزق الديمقراطيات الغربية من الداخل.

​تتجلى أفكار الكتاب في ثلاثة محاور رئيسية تسهم اليوم في إعادة تشكيل المشهد العالمي:

- ​المناخ والانسحاب من المستقبل: حذّر تشومسكي مبكراً من خطورة الاستهتار بالقضية البيئية، معتبراً أن أزمة المناخ ليست مجرد تحدٍ علمي أو اقتصادي، بل تهديد مباشر لمستقبل البشرية. واليوم، ومع عودة سياسات «أميركا أولاً» التي تضع مصالح الوقود الأحفوري فوق الالتزامات البيئية الدولية، تبدو البشرية وكأنها تنسحب طوعاً من المستقبل. فالعالم لم يعد يواجه مجرد توقعات قاتمة أو تحذيرات نظرية، بل واقعاً مناخياً متسارعاً تتجلى آثاره في موجات الحر والجفاف والفيضانات والكوارث الطبيعية المتزايدة. وهكذا تتحول أزمة البيئة والمناخ من ملف سياسي قابل للحل إلى خطر وجودي يفرض نفسه على حاضر الإنسان ومستقبل الأجيال القادمة.

- ​تآكل الديمقراطية واستنساخ الأزمات: رأى تشومسكي سنة 2017 أن صعود ترامب لم يكن حادثة سياسية عابرة أو استثناءً في التاريخ الأمريكي، بل مؤشراً واضحاً على أزمة بنيوية عميقة تضرب أسس النظام السياسي نفسه. وقد أثبتت السنوات اللاحقة دقة هذا التشخيص؛ فالاستقطاب الداخلي ازداد حدة، والثقة بالمؤسسات التقليدية الدولية تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة، فيما نجحت التيارات الشعبوية في ترسيخ حضورها وإعادة صياغة الخطاب السياسي وقواعد المنافسة الديمقراطية. وهكذا لم تعد الأزمة مجرد صراع بين أحزاب أو شخصيات، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة حول طبيعة الديمقراطية الأمريكية وحدودها ومستقبلها، ما جعل الانقسامات السياسية والاجتماعية تتكاثر وتُعيد إنتاج نفسها بصورة أكثر تعقيداً مع كل استحقاق انتخابي جديد.

- ​الاشتراكية للأغنياء.. الرأسمالية للفقراء: لم يتبدل هذا المفهوم الاقتصادي القاسي الذي انتقده الكتاب. ففي مواجهة الأزمات المصرفية والتضخم، بقيت مظلة الحماية الحكومية حكراً على الشركات الكبرى وسلاسل الإمداد، بينما تُركت الطبقات الوسطى والفقيرة تواجه منفردة تبعات الغلاء واتساع فجوة عدم المساواة.

​في البُعد الدولي، رأى تشومسكي أن الهيمنة الأمريكية لم تكن مشروعاً لإرساء الاستقرار، بل آلية لإدارة الأزمات وتوجيهها بما يحقق المصالح الأمريكية.


​اليوم، الوضع بات أخطر من السابق. من جبهات القتال في أوكرانيا إلى خطوط النار في الشرق الأوسط، يواجه العالم تفككاً حقيقياً في "قواعد ما بعد الحرب الباردة". فالتعددية الدولية تتراجع لصالح منطق القوة المتوحشة والمقايضات المباشرة، وهو الأسلوب المفضّل لإدارة ترامب، التي استبدلت الدبلوماسية التقليدية بمنطق "الصفقات".


رغم دقة التشخيص، تكمن المفارقة الأبرز في أن بعض توقّعات تشومسكي لم تتحقق بالكامل. فالرأسمالية العالمية، التي توقّع اقترابها من أزمة وجودية عميقة، أظهرت مرونة استثنائية وقدرة لافتة على التكيّف وإعادة إنتاج نفسها، مستفيدةً من الثورة التكنولوجية وصعود الاقتصاد الرقمي ومنصات الأعمال العابرة للحدود.


​في المقابل، فإن الحركات الشعبية والنقابية التي عوّل عليها تشومسكي لإحداث التغيير الجذري، ظلت مشتتة، وعاجزة عن تقديم "بديل عالمي" متماسك ومقنع للجماهير.


​إن القيمة الحقيقية لكتاب «العالم... إلى أين؟» لا تكمن في دقة توقعاته، بل في الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها: أن مصير البشرية لا يجب أن يُترك رهينة نزوات قادة الحروب أو مصالح النخب المالية والاقتصادية. فالمستقبل، يُصنع حين يمتلك المواطنون الوعي الانساني والفكري الكافي لفهم المخاطر التي تهددهم، والشجاعة الكافية لمواجهتها، والقدرة على تنظيم أنفسهم للدفاع عن قيم الأخلاق والحرية والعدالة والديمقراطية. ومن هنا، فإن الرسالة الأعمق للكتاب ليست التحذير من الكوارث المقبلة، بل التأكيد أن التاريخ ليس قدراً محتوماً، وأن الشعوب الواعية تظل القوة القادرة على تغيير مساره وإنقاذ العالم من الأخطاء المتكررة لزعماء السياسة.


في الولاية الثانية لترامب، لم تعد تساؤلات تشومسكي مجرد تنظير سياسي، بل تحوّلت إلى اختبارٍ قاسٍ لأخلاقيات العالم المعاصر. إذ إن ما صاغه تشومسكي يوماً كاحتمالاتٍ مقلقة ضمن مسار النظام الدولي، أصبح بنيةً قائمة يُدار بها العالم. وهكذا، لم تعد المخاوف مجرد احتمالاتٍ للنقاش، بل تحوّلت إلى مناخٍ سياسي عام يتحوّل فيه القلق والخوف والصدمات إلى نمطٍ من أنماط إدارة العالم.