على أثر انتهاء الانتخابات النيابية عام 1951 شكّل الرئيس عبد الله اليافي حكومة جديدة كان من ضمنها المحامي (الرئيس) رشيد كرامي وزيراً للعدل في أول اطلالة له على الحياة السياسية في لبنان بعد عودته من مصر اثر وفاة والده الرئيس عبد الحميد كرامي وفوزه في انتخابات طرابلس على رأس كتلة من 5 نواب، وكان رئيس الوزراء السوري خالد العظم مستمر في توجيه التهديدات للبنان مطالباً بقيام وحدة اقتصادية بين لبنان وسوريا، وكان دعاة تلك الوحدة يعولون على وجود الوزير رشيد كرامي ضمن الحكومة للضغط لاقرارها، لكنه فاجأ الجميع بموقف أعلنه في مجلس الوزراء قائلاً: أنا من طلاب الوحدة الاقتصادية مع سوريا، ولكن يجب أن تدور المفاوضات على أسس تقنية لا أسس عاطفية. ما ولد غضباً سورياً عليه.
خميس القربان
اعتادت مطرانية طرابلس المارونية تنظيم مسيرة نهار خميس القربان في شوارع طرابلس من كنيسة مار مخائيل الى كنيسة مار مارون، وأتى موعد مسيرة عام 1959 لأول مرة بعد ثورة 1958 ونصح البعض المطران أنطون العبد بصرف النظر عنها خوف حصول أي احتكاكات، لكنه أصر على عدم توقف هذا التقليد وراح الجو يتوتر.
قبل أيام من موعد المسيرة تلقى المطران عبد اتصالاً من الرئيس رشيد كرامي وكان رئيساً للحكومة يبلغه فيه تأييده للمسيرة وعدم جواز توقف هذا التقليد، وفي الموعد المحدد وفيما المسيرة تتقدم من كنيسة مار مخائيل لاقتها عند ساعة التل فرقة أناشيد نبوية وقارعي الطبول وسارت أمامها.
يجب معرفة وضع الخزينة
مطلع عهد الرئيس سليمان فرنجية قام الأساتذة باضرابهم الشهير وكان يرأس الحكومة الرئيس صائب سلام، ويقود المعارضة الرئيس رشيد كرامي، وازاء تصلب رئيس الحكومة التقى وفد من الأساتذة المضربين الرئيس كرامي وشرحوا وضعهم متأملين أن يدعم مطالبهم، لكنهم تفاجأوا بموقفه المطالب بمعرفة وضع الخزينة ان كان يسمح بأي زيادة وبدا للمدرسين أنه وان كان في المعارضة هو متصلب أكثر من رئيس الحكومة فيما خص أي صرف أموال من الخزينة.
أتمنى أن أسمع أنهم قتلوكم ولا أسمع أنكم قتلتم أحداً
قبل أشهر من اندلاع الحرب ربيع 1975 كان الجميع في سباق مع التسلح وتدريب الشباب، وفي طرابلس كان السلاح يوزع على الجميع وحدهم تقريباً كان أنصار آل كرامي خارج هذا السباق، وكانت تأتيهم اشارات من سوريا بوجوب توجه أحد منهم لاستلام ما يريد من السلاح.
أقنع بعض المقريبن من آل كرامي الأستاذ (الرئيس) عمر كرامي بوجوب تسلحهم "قبل أن يقتلوننا"، فأرسل البعض الى الساحل السوري أحضروا كمية من السلاح الخفيف يعتقد حوالى 300 رشاش كلاشنكوف.
عرف الرئيس رشيد كرامي بالخبر وكان في بيروت فوصل الى طرابلس في حالة من الغضب الشديد، وراح يكيل الشتائم لكل من سعى باحضار هذا السلاح ومما قاله للمقربين منه: لن أدخل في لعبة الدم هناك عروض علي بما لا يتخيله بشر من أموال وأسلحة حتى ثقيلة كي أنشأ ميليشيا، لكني أرفض كل هذا حتى وان كنت أريد أن آتي لكم بالسلاح عندي أكثر من مصدر
خلال الاجتماع قال له أحد الحاضرين: دولة الرئيس اذا لم نتسلح سيقتلوننا.
رد بغضب: أفضّل ألف مرة أن أسمع أنهم قتلوكم ولا أسمع مرة واحدة أنكم قتلتم أحداً، وتابع: البلد دخل في نفق لن يخرج منه قبل 20 سنة ولن أدخل في لعبة الدم، وكان أن أصر على جمع قطع السلاح وسعى بتسفير شقيقيه الى السعودية ليبعدهما عن حمام الدم القادم.
خطف كهنة الروم الأرثوذكس
ظهر الخميس 4 أيلول 1975 اقتحم 5 مسلحين مطرانية الروم الأرثوذكس في طرابلس وخطفوا 3 كهنة كانوا يتناولون طعام الغداء هم الآباء: سمير ياكوتي، نفولا غريب، وديع شلهوب
جنت طرابلس ووصل الى المطرانية محافظ الشمال ونواب المدينة وقياداتها ولدى وصوله قال الدكتور عبد المجيد الرافعي للصحافيين والغضب على وجهه: هذه كبيرة من الكبائر التي تسمح طرابلس بتكرارها.
وصل ضابط الشعبة الثانية ومعه معلومات أن المخطوفين محتجزين في خان العسكر، فما كان من الأستاذ (الرئيس) عمر كرامي ورغم الخطر أن توجه مع مرافقيه الى خان العسكر وهدد الخاطفين بوجوب تسليمه الكهنة فوراً فتسلمهم ونقلهم في سيارة الرئيس رشيد كرامي الى المطرانية، وسلم الخاطفين الى قوى الأمن، وبعد وصولهم الى المطرانية تحدث الرئيس رشيد كرامي مع الكهنة عبر الهاتف مهنئاً بالسلامة.
استمرار قبض رواتب الموظفين المفقودين
بعد تسلمه رئاسة الحكومة عام 1984 وكانت ترده مراجعات من عائلات موظفين في القطاع العام أوقفوا خاصة من قبل السوريين، فتحدث مع الرئيس الجميل ووزير المال الرئيس شمعون وصدر قرار عن مجلس الوزراء ببقاء سريان معاش الموظف المختطف أو المفقود استناداً الى محضر تحقيق تجريه قوى الأمن حتى عودته أو اعلان وفاته، وهكذا تمكنت عشرات العائلات من العيش بكرامة في ظل غياب رب العائلة.
رفض حياة البذخ فيما أهله تحت القصف
حين حوصرت طرابلس من قبل الجيش السوري بهدف طرد ياسر عرفات منها وتشرد أهلها كان الرئيس رشيد كرامي في دمشق يحاول أن يوقف حمام الدم، فاتى اليه بعض المسؤولين السوريين عارضين مالاً ليتدبر وضعه ووضع من معه، فاعتذر شاكراً، وكان أتاه أيضاً عرضاً من السفارة الليبية فكرر اعتذاره، ورفض أن يعيش من معه في دمشق حياة سهر فيما مدينتهم تتعرض لجحيم القصف.
أتى من يخبره أن أحد معاونيه يشاهد ليلاً في مطاعم دمشق، فطلب التحري عن الوضع ليتبين له أن هذا المعاون قبض من السوريين مالاً وفور عودته الى طرابلس أعفاه من كل مسؤولياته وعيّن غيره مكانه.
الرئيس معوض الوسيط.
بعد اضطراره لمقاطعة رئيس الجمهورية أمين الجميل وحتى قبل ذلك كان الرئيس رينيه معوض أحد أهم صلات الوصل بين رئيس الحكومة والمنطقة الشرقية وغالباً ما كان الرئيس رشيد كرامي يمرر للرئيس معوض أي خبر أو معلومة يريد من أحد ما في الشرقية اعلانها لأنه من المستحيل على من هم في منطقة السيطرة السورية قولها، وكان الشيخ هنري معوض صلة الوصل بين الطرفين، وأكثر من مرة شوهد الرئيس رشيد كرامي يبتسم وهو يقرأ أو يسمع تصريحاً صادراً من المنطقة الشرقية وما كانوا من هم من حوله يعلمون أنه خلف هذا الموقف أو التصريح.
البلد ما ألو قيمة من دونكم
ربيع 1985 وكان الرئيس رشيد كرامي رئيساً للحكومة زار العاصمة الفرنسية وأقام السفير الأمير فاروق أبي اللمع حفل استقبال على شرفه، ومن بين المشاركين في الحفل كان الراهب اللبناني الأب مرتينوس سابا وعندما كان الأمير فاروق أبي اللمع يقدم الأب سابا للرئيس كرامي شعر الراهب أن اسمه استوقف رئيس الحكومة فقال له: دولة الرئيس اسمي ذكرك بباخرة الأكوامارينا، باخرة السلاح الشهيرة التي أحضرتها الجبهة اللبنانية مطلع الحرب وكان للأب سابا دور محوري فيها فابتسم الرئيس كرامي وهز رأسه
خلال الحفل كان حديث عن الحرب ومما قاله الأب مرتينوس سابا للرئيس كرامي: دولة الرئيس كنا مهددين في وجودنا ويريدون رمينا في البحر فالاستسلام ممنوع ما دام هناك شاب مسيحي قادر على حمل السلاح فاضطررنا للتسلح واشترينا السلاح من الأسواق السوداء العالمية.
رد الرئيس كرامي: لا أحد يريد ولا أحد يستطيع رميكم في البحر ولا قيمة ولا معنى لوجود للبنان من دونكم.
هل كان نظام الأسد يريد قتل الرئيس رشيد كرامي؟
في حديث معه قال ربّحي حلوم مستشار ياسر عرفات أنه في حزيران 1976 طلب حافظ الأسد من ياسر عرفات تصفية عدد من القيادات اللبنانية من أبرزهم كمال جنبلاط وما شكل صدمة لأبو عمار ورود اسم رشيد كرامي ضمن لائحة القيادات المطلوب قتلها
أطلع عرفات كمال جنبلاط على لائحة المطلوب قتلهم فكان أول رد لزعيم الحركة الوطنية اللبنانية: ألم أقل لكم بأن هذا (حافظ الأسد) هو تيمورلنك؟، لكنم لم تصدقوني.
أضاف جنبلاط: يريد الأسد قتل رشيد كرامي لأنه يشكل ضمانة في لبنان.
هذا قليل القليل من كثير الكثير عن الرئيس رشيد كرامي، ولا يجوز الافتراض في التاريخ، ولكن ما كان حال البلد لو تمكن يومها الرئيس رشيد كرامي من الوصول الى بيروت ولقاء الرئيس كميل شمعون؟