بينما السلطة منشغلة بالترويج للإنجاز العظيم الذي إخترعته "الإقامة الذهبية" يبدو أن السؤال الحقيقي الذي طرحه المستثمرون في الداخل والخارج مختلف تماماً الا وهو: أين هي الدولة التي يُفترض أن نستثمر فيها؟
فالمستثمر لا يبحث أولاً عن إقامة بل عن قضاء عادل وسريع، ولا يبحث عن بطاقة ذهبية بل عن قطاع مصرفي موثوق، ولا يسأل عن نسبة الضريبة قبل أن يسأل عن الاستقرار الأمني والسياسي وعن تأمين الكهرباء والإنترنت والبنية التحتية، وكل هذه الخدمات التي من المفترض ان تكون مؤمنة لأبناء البلد أولا الذين يدفعون ثمنها مرتين قبل أن تكون خدمات متوفرة لأي مستثمر أجنبي أم عربي كان.
فهذا المشروع الذي أقرّته لجنة المال والموازنة والمتعلق بمنح ما سُمّي "الإقامة الذهبية" للمستثمرين الذين يضخون أكثر من 500 ألف دولار في لبنان أثار الكثير من الجدل. وبين مؤيد يعتبره خطوة لجذب الاستثمارات ومعارض يخشى تداعياته، تبدو المشكلة الأساسية في مكان آخر تماماً: في محاولة تسويق المشروع على أنه إنجاز اقتصادي كبير، فيما جوهره لا يتجاوز كونه إقامة ضريبية تمنح صاحبها إمكانية نقل موطنه الضريبي الأصلي من وإلى لبنان.
وهنا الفرق كبير بين الإقامة الذهبية والإقامة الضريبية!
فالإقامة الذهبية المعروفة عالمياً هي أداة تستخدمها الدول لجذب المستثمرين وأصحاب الكفاءات والمواهب والإنجازات ورؤوس الأموال من خلال توفير بيئة اقتصادية مستقرة، وإقامة طويلة الأمد، وحقوق واضحة، وبنية قانونية وإدارية حديثة، وبعض المميزات التي ييمتاز بها حاملها وغالباً ما تشكل خطوة نحو الإقامة الدائمة أو الجنسية.
أما المشروع اللبناني فلا يمنح المستثمر كل هذه المقومات، ولا يقدم اقتصاداً مستقراً وسوقاً مستقرة، ولا قطاعاً مصرفياً مستعيداً لعافيته، ولا قضاءً سريعاً وفعالا، ولا إدارة رقمية حديثة، ولا بنية تحتية منافسة ولا حتى رؤية اقتصادية واضحة للمستقبل. فما يمنحه فعلياً هو إقامة ضريبية تسمح للمستثمر بالاستفادة من النظام الضريبي اللبناني وتجنب الازدواج الضريبي. بمعنى آخر، نحن لا نتحدث عن إقامة ذهبية بالمعنى الاقتصادي والاستثماري المعروف، بل عن إقامة ضريبية تهدف أساساً إلى نقل الموطن الضريبي للمستثمر إلى لبنان.
والدول التي نجحت في استقطاب الرساميل لم تفعل ذلك من خلال تخفيض الضرائب فقط، بل عبر بناء بيئة متكاملة تقوم على الاستقرار السياسي، وسيادة القانون، والشفافية، والبنية التحتية الحديثة، والإدارة الفعالة. والمستثمر لا يبحث فقط عن نسبة ضريبة أقل، بل يبحث قبل كل شيء عن الأمان والثقة والقدرة على التخطيط لمشاريعه لسنوات طويلة.
ففي لبنان تبدو الدولة وكأنها تحاول القفز فوق كل المشاكل البنيوية عبر تقديم حوافز ضريبية محدودة. وتتصرف وكأن الأزمة اللبنانية مجرد مشكلة ضرائب ورسوم، فيما الحقيقة هي أن الأزمة أعمق من هذا بكثير وكأن الدولة تقول للمستثمر: صحيح أنه لدينا أزمة مصرفية والثقة بالدولة متراجعة، وصحيح أن الخدمات العامة في حالة انهيار، لكن تعال وسجّل إقامتك الضريبية لدينا. وقد غُفل عن ذاكرتها أن المستثمر لا يسأل عن نسبة الضريبة فقط بل يسأل عن مصير أمواله وقبل أن يبحث عن الإقامة فهو يبحث عن الثقة.
والمشكلة الأعمق هي أن المشروع لا يأتي ضمن سياسة اقتصادية أو ضريبية شاملة. فلا أحد يعرف ما هي الرؤية التي تقف خلفه، ولا كيف ستُستخدم الإيرادات الناتجة عنه، ولا ما إذا كان الهدف دعم الاستثمار المنتج أم مجرد تحصيل رسوم إضافية للخزينة.
فهل المطلوب جذب مصانع جديدة؟ أم شركات تكنولوجيا؟ أم مشاريع سياحية؟ أم أن الهدف يقتصر على استقطاب عدد محدود من أصحاب الثروات الراغبين في تخفيف أعبائهم الضريبية في بلدان أخرى؟
فالدول الجدية تبدأ بوضع استراتيجية اقتصادية ثم تبني نظامها الضريبي لخدمة تلك الاستراتيجية. أما في لبنان، فيبدو أن القرارات تصدر بالعكس تماماً، فتأتي الضرائب والرسوم والحوافز متفرقة ومنفصلة عن أي مشروع اقتصادي متكامل.
فكيف يمكن إقناع أي مستثمر بضخ أكثر من نصف مليون دولار في بلد ما زال يعيش تداعيات أكبر انهيار مصرفي في تاريخه الحديث. وكيف يمكن طمأنة المستثمر فيما لا يزال مئات آلاف المودعين اللبنانيين عاجزين عن استعادة ودائعهم كاملة، بعد سنوات من القيود المصرفية والخسائر التي أصابت الثقة بالقطاع المالي؟ إن أي مستثمر أجنبي أو مغترب لبناني سيضع هذا السؤال في مقدمة حساباته: إذا كانت الدولة والمصارف لم تتمكنا حتى اليوم من معالجة أزمة المودعين، فما هي الضمانة بأن استثماري سيكون آمناً غداً؟
ثم تأتي المعضلة الأمنية والسياسية التي لا يمكن تجاهلها. فالمستثمر لا يقرأ فقط القوانين الضريبية، بل يشاهد نشرات الأخبار ويقرأ التقارير ويحلل ويفهم المخاطر. وخلال السنوات الأخيرة وجد لبنان نفسه في قلب صراعات إقليمية متتالية، كان آخرها الحرب التي اندلعت على الجبهة الجنوبية وما رافقها من دمار واسع ونزوح وتعطيل اقتصادي نتيجة القرارات الخاطئة التي اتخذها حزب الله خارج إطار قرار الدولة اللبنانية.
فأي مستثمر سيغامر بأمواله في بلد لا يستطيع أن يضمن استقرار حدوده أو أن يحتكر قرار الحرب والسلم بشكل كامل؟ وأي شركة دولية ستنقل أعمالها إلى دولة يمكن أن تستيقظ فيها الأسواق في أي لحظة على تصعيد أمني أو مواجهة عسكرية أو إقفال طرق أو توقف حركة الإنتاج؟
ولا يتوقف الأمر عند الأمن والسياسة فقط، بل يمتد إلى صلب البيئة الاقتصادية نفسها، فالقطاع الصناعي اللبناني يطلق العنان منذ سنوات وصرخات متتالية بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج والرسوم الجمركية وضعف البنية التحتية وكل مقومات التقدم والنمو كما أن غياب الدعم الفعلي للقطاع الإنتاجي يجعل المنافسة مع الأسواق الخارجية أكثر صعوبة.
أما الهيئات الاقتصادية واللجان التجارية فلا تتوقف عن التحذير من الضرائب المتزايدة والإجراءات الإدارية المعقدة التي ترفع كلفة الأعمال وتضعف القدرة التنافسية للسوق اللبنانية، والمستثمر الذي يقرر المضي قدماً رغم كل هذه المخاطر، سيجد نفسه أمام إدارة مثقلة بالبيروقراطية، ودوائر تحتاج أسابيع وأحياناً أشهراً لإنجاز معاملات بسيطة، ومحاكم تجارية قد تستغرق سنوات للفصل في نزاع تجاري واحد، والمستثمر بطبيعته لا يبحث فقط عن العدالة، بل عن العدالة السريعة، لأن الوقت في عالم الأعمال يساوي المال، لهذا كله يبدو المشروع وكأنه يعالج النتيجة ويترك الأسباب.
لهذا كله، لا تبدو المشكلة في الإقامة الذهبية بحد ذاتها، بل في الاعتقاد أن الحوافز الضريبية يمكن أن تعوض غياب مقومات الدولة.
فالدول التي نجحت في جذب الاستثمارات لم تبدأ بمنح إقامات ضريبية، بل بدأت بإصلاح القضاء، وتحديث الإدارة، وتأمين الكهرباء، وتطوير البنية التحتية، وحماية الملكية الخاصة، وترسيخ الاستقرار السياسي والأمني، والمستثمر لا يشتري ضريبة منخفضة بل يشتري ثقة، ولا أحد يضخ 500 ألف دولار لأنه حصل على إقامة ضريبية، بل لأنه يقتنع بأن أمواله ستعمل في اقتصاد منتج ومستقر وقادر على النمو والمنافسة.
إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى أسماء براقة مثل "الإقامة الذهبية" لا بل يحتاج للثقة والثقة لا تُشترى بقانون بل بإصلاحات ذهبية حقيقية. فلبنان يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي، وإلى استعادة هيبة الدولة، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية، وتطوير القضاء والإدارة والبنية التحتية والمكننة وإستحداث انظمة رقمية، وإطلاق خطة اقتصادية واضحة تعيد الأمل للمستثمرين والمواطنين معاً.
والاستثمار الحقيقي لا يأتي إلى بلد لأن ضرائبه منخفضة فقط، بل لأنه يؤمن بمستقبله. والثقة قبل الضرائب وقبل الرسوم وقبل الإقامات، هي العملة الأغلى التي فقدها لبنان وما زال عاجزاً عن استعادتها ولطالما لم يستعيد هذه الثقة بعد، ستبقى كل الحوافز الضريبية مجرد محاولة لتزيين واجهة مبنى زجاجه مكسور وأساساته متصدعة...