الياس دمّر

حوار مع المخرجة ديما الحرّ... "والأسماك تطير فوق رؤوسنا": حكايات على شاطئ بيروت وبين أمواجه

6 دقائق للقراءة

يستهل جبران قصيدته «المواكب» بقوله: «أعطني الناي وغنِّ فالغنا سر الوجود». وبعد مشاهدة فيلم «والأسماك تطير فوق رؤوسنا»، تشعر بأن البيت الشعري يمكن أن يُبعث بكلمات جديدة: «أعطني البحر واسبح فالبحر علاج النفوس»!

على شاطئ بيروتيّ يبدو، للوهلة الأولى، مكانًا عابرًا، تنجح المخرجة اللبنانية ديما الحرّ في تشييد عالم إنساني بالغ العمق؛ عالم تصبح فيه حكايات «رضا» و «عادل» و «قاسم» مرآة لبلد يترنح تحت وطأة الزمن، لكنه لا يفقد قدرته على الحلم. لا تقدّم الحرّ شخصياتها كضحايا، بل بشرًا يجمعون بين الهشاشة والقوة، ويواجهون قسوة الواقع بكرامة هادئة وإصرار على الاستمرار. أمام زرقة البحر، تتكشف حكاياتهم ببساطة آسرة، ويغدو الصمت أكثر بلاغة من الكلام، فيما تنجح المخرجة في التقاط تلك اللحظات الإنسانية الهشة والمضيئة في آن واحد. ويترك الفيلم في النفس أثرًا يشبه أثر البحر نفسه: هدوءًا عميقًا، وحزنًا شفيفًا، ورغبة دائمة في العودة إليه. ولعل قوة السينما الحقيقية، كما تؤمن بها ديما الحرّ، تكمن في قدرتها على أن تجعل من الحكايات البسيطة نافذة واسعة على الإنسان، ومن الواقع القاسي مساحة للجمال والتأمل والرجاء.

في حوار مع «نداء الوطن»، تأخذنا المخرجة ديما الحرّ في رحلة سينمائية وشاعرية عميقة من خلال فيلمها الوثائقي «والأسماك تطير فوق رؤوسنا»، الذي يعيدنا إلى جوهر الإنسان وعلاقته بالمكان، ويطرح أسئلة عن الصمود والأمل والبحث عن ملجأ. وخلال الحوار، تشاركنا المخرجة تفاصيل عودتها إلى نقطة انطلاقها بعد عشرين عامًا، وكيف تحوّل البحر من مجرّد خلفية جغرافية إلى ملاذ أخير لأرواح أثقلتها خيبات اليابسة.


عودة بعد عقدَين

توضح ديما الحرّ أنّ فكرة الفيلم تنبع من رغبة ملحة في العودة إلى المكان ذاته الذي صوّرت فيه فيلمها القصير «البحر الأزرق في عينيك» قبل عشرين عامًا، وهو الواجهة البحرية للجامعة الأميركية في بيروت (AUB). وتقول إنها ركّزت، طوال تلك السنوات، في أفلامها على شخصيات نسائية تبحث عن حريّتها، لكنها شعرت باشتياق إلى استكشاف واقع الرجال في لبنان وما آلت إليه أحوالهم.

وتذكر الحرّ أنها، حين نزلت إلى ذلك الشاطئ، فوجئت بوجود «رضا» في المكان نفسه الذي تركته فيه منذ عقدَين، ما منحها شعورًا بالاستمرارية والأمل. وتضيف: «الأجساد التي صوّرتها في الماضي كانت شابة ومفتولة العضلات، وكانت تمثّل الرجولة، أما اليوم فأعود لأجد أجسادًا متعبة، تقدّمت في السن، وتحمل في طياتها جروح المدينة وتراجيديا الحياة اليومية التي نمرّ بها جميعًا».

عن اختيار عنوان «والأسماك تطير فوق رؤوسنا»، بدلا من إدراج كلمة «البحر» صراحة، تشير الحرّ إلى أنها بحثت طويلا عن عنوان يحمل نفحة شعرية ويبتعد عن المباشرة. وتوضح أنّ هذا العنوان يمثّل عبارة مستحيلة تجمع بين عنصرَي الأرض والماء، وتعكس الانتقال البطيء في الفيلم من الواقع الملموس إلى عالم اللاوعي وأحلام الشخصيات.

وتلفت الحرّ إلى أنّ أبطال الفيلم، «رضا» و «قاسم» و «عادل»، لا يمثّلون بيروت بأكملها، بل هم جزء لا يتجزأ منها، وأنّ أحلامهم تعكس أحلامنا المشتركة، بوصفنا مواطنين معلّقين بهذا البحر وهذه المدينة، ونعيش الأحلام ذاتها، حتى وإن اختبرها كلّ فرد منا بمفرده.


حالة الانتظار

أما في ما يتعلق بتأثير الأزمات في خلفية العمل، فتقول المخرجة ديما الحرّ في حوارنا معها إنها لم تكن تهدف إلى تأريخ فترة زمنية معينة، بل كان تركيزها منصبًّا على ترسّبات الحرب التي تترك آثارها العميقة في وعينا الجمعي وفي أجسادنا. وتشير إلى أنّ أجساد شخصيّاتها تحمل هذه الترسّبات والصدمات بوضوح، وأنّ الفيلم يجسّد حالة من الانتظار، إذ يجلس هؤلاء الرجال في مواجهة البحر كأنهم ينتظرون كارثة مجهولة، وهو ما يعكس حال المواطن الذي لا يعرف ما يخبّئه له الغد. وعلى الرغم من هذا القلق، تلفت الحرّ إلى أنّ ثمة رسالة صمود ومواجهة؛ فاليوميّات المتكرّرة، ومشي «رضا» المستمر من الضاحية إلى البحر بمعدل يتجاوز خمسين كيلومترًا أسبوعيًّا، يشكّلان في حدّ ذاتهما شكلَين من أشكال التحدّي والبقاء.

نسأل مخرجة الفيلم عن كيفية كسر الحواجز وبناء الثقة مع شخصيات الفيلم في بيئة ذكورية خالصة ومغلقة، فتجيب بأنّ الأمر لم يكن سهلا في البداية داخل هذا الحيّز الخاص، لكن «رضا» كان الجسر الذي سهّل مهمّتها، وجعل البقية يتقبلون وجودها بوصفها جزءًا من المكان. وتوضح أنها تعتمد منهجية خاصة في التصوير، إذ تعمل منفردة بعيدًا من فرق العمل الكبيرة، وتستخدم كاميرا صغيرة جدًّا تصبح كأنها امتداد ليدها، ما يجعل الشخصيات تنسى وجود الكاميرا تمامًا وتتصرّف بِحريّة ومن دون أي تصنّع. وتؤكّد أنها باتت تعدّهم أصدقاء، وتشاركهم تفاصيل حياتهم حتى في أوقات غياب الكاميرا، وهو ما أسس علاقة متينة قائمة على الاحترام المتبادل.


زمن معلّق

على الصعيد الفني، تكشف ديما الحرّ عن تعاونها مع المونتيرة ساندرا فتّة لابتكار إيقاع بصريّ يحاكي حركة البحر، إذ يتنقل الفيلم بسلاسة بين الهدوء والأمواج الخفيفة، وصولا إلى البحر الهائج.

أما الموسيقى التصويرية، فقد أوكلت المخرجة مهمّتها إلى المؤلف الموسيقي Pierre Aviat، طالبة منه تأليف موسيقى أصليّة بالكامل تتناسب مع روح العمل. وتبرّر خيارها بأنها أرادت إبقاء المشاهدين في حالة من الزمن المعلّق، الذي يتأرجح بين الحاضر والماضي، وبين النوم واليقظة، مؤكدةً أنّ استخدام أيّ أغنيات مألوفة كان سيكسر هذه الحالة الشعورية الخاصة جدًّا، ويأخذ الجمهور إلى ذكريات أخرى خارج إطار الفيلم.


جسر للعودة إلى الواقع

تعترف ديما الحرّ، في ختام حديثنا معها، بأنّ اتجاهها نحو السينما الوثائقية وابتعادها عن الأفلام الروائية كانا قرارًا نابعًا من رغبتها الصادقة في إعادة الاتصال بالواقع اللبناني. وتلفت إلى أنّ إقامتها المتكرّرة في الخارج جعلت الواقع يتسرّب من بين يدَيها أحيانًا، فكان هذا الفيلم بمنزلة جسر روحيّ أعادها إلى عيش تفاصيل لبنان من خلال شخصيّات حقيقية نابضة بالحياة. كما تؤكد أنّ الفيلم، رغم كل المآسي المحيطة ببيروت، يركّز على الجوهر الإنساني والمشاركة، وعلى الكيفيّة التي يمكن بها لمجموعة من الغرباء أن يمدّوا أيديهم بعضهم إلى بعض، ليصبحوا عائلة واحدة تجد راحتها وحرّيتها في أمواج البحر.

«والأسماك تطير فوق رؤوسنا» ليس مجرّد فيلم وثائقي، بل دعوة إلى الإنصات إلى أنفسنا عبر الآخرين، واكتشاف تلك القدرة العجيبة التي يمتلكها البحر، كما تمتلكها السينما، على مداواة ما تعجز الكلمات عن البوح به. لذا، فإنّ مشاهدة هذا الفيلم في صالة السينما ليست رفاهية ثقافية، بل تجربة إنسانية دافئة تستحق أن تُعاش بكل ما فيها من صدق وجمالية.

يُعرض الفيلم حصريًّا في «سينما متروبوليس» (مار مخايل – بيروت)، ابتداءً من هذا المساء ولمدة أسبوعين فقط.


ملصق الفيلم