باتريسيا جلاد

قد تشكّل مدخلاً واعداً للبنان إذا اقترنت بإصلاحاتٍ فعليّة

المكمّل: الإقامة الذهبية فرصة لزيادة الإيرادات وليست حلاً سحرياً

5 دقائق للقراءة


بهدف جذب الاستثمارات وتحضيراً لمرحلة التعافي المقبلة، أقرّت لجنة المال والموازنة مشروع "الإقامة الذهبية"، الذي يقوم على إعطاء غير المقيم في لبنان، من أجنبي أو لبناني يعمل في الخارج ويحتاج إلى ما يُسمّى بـ"الإقامة الضريبية"، إقامة ذهبية وفق شرط الاستثمار بما لا يقل عن 500 ألف دولار. ويراعى في ذلك قانون تملّك الأجانب بالنسبة إلى العقار، وتحويل المال من الخارج، مع التشدد في التدقيق ("compliance") لمنع أي محاولة لتبييض الأموال عبر حساب مصرفي. فتستفيد العائلة، إضافة إلى دفع رسم سنوي لا يقل عن 50 ألف دولار عن كل فرد من أفرادها يرغب في الاستفادة من الإقامة الضريبية. وهو، بحسب اللجنة، يخلق فرص عمل، ويدخل الأموال إلى خزينة الدولة، ويشجّع الاستثمارات عند توفّر الظروف والشروط.

وأشاد رئيس جمعية الضرائب اللبنانية هشام المكمّل باقتراح قانون الإقامة الذهبية الذي تقدّم به رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، معتبراً، خلال حديثه إلى "نداء الوطن"، أنّه "إذا صُمّم بطريقة مدروسة وشفافة، فقد يشكّل أداة فعّالة لتحفيز الاستثمار وزيادة إيرادات الدولة، وإن كان لا يشكّل حلاً سحرياً بحد ذاته، بل يجب أن يأتي ضمن خطة اقتصادية ومالية متكاملة".


تعزيز الإيرادات

أوضح المكمّل أنّ "مشروع الإقامة الذهبية يمكن أن يعزّز إيرادات الدولة من ثلاثة أبواب رئيسية، هي: الرسوم السنوية التي تُدفع مباشرة إلى الخزينة، والاستثمارات الجديدة التي تخلق فرص عمل وتحرّك عجلة الاقتصاد، إضافة إلى تنشيط القطاعين العقاري والمالي والمصرفي، وما يرافق ذلك من ضرائب ورسوم".

وأشار إلى أنّ "نجاح المشروع يبقى مرتبطاً بمجموعة من العوامل الأساسية، أبرزها الاستقرار الأمني والسياسي، وإصلاح القطاع المصرفي، ووضوح النظام الضريبي، وتسهيل ممارسة الأعمال، وتأمين الحماية القانونية للمستثمرين".


فرصة للخليجي واللبناني

ورأى المكمّل أنّ "الفرصة الأكبر لا تقتصر على المستثمر الخليجي، بل تشمل أيضاً اللبنانيين المنتشرين في أفريقيا وأوروبا والأميركيتين، ورجال الأعمال اللبنانيين العاملين في دول الخليج، فضلاً عن مستثمرين من العراق والأردن ومصر، وأصحاب الثروات الذين يبحثون عن إقامة ضريبية بديلة في ظل القيود الضريبية أو السياسية المفروضة في بعض الدول".

وأضاف: "إنّ المستثمر الخليجي، رغم ما تتمتع به دول الخليج من إمكانات مالية كبيرة، لن يتخذ قراره بالاستثمار استناداً إلى الإقامة الذهبية فقط، بل يحتاج إلى ضمانات حقيقية تتعلق بحماية أمواله وحرية تحويلها وإخراجها من لبنان عند الحاجة".


لا لزيادة الأعباء على الملتزمين

وفي ما يتعلّق بالضرائب التي يمكن أن تفرضها الحكومة لزيادة عائداتها من دون إثقال كاهل المواطن، أكّد المكمّل أنّ "الأولوية يجب أن تكون لتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين الجباية، لا لزيادة الأعباء على المكلفين الملتزمين". واقترح، في هذا الإطار، "فرض ضرائب على الأنشطة الريعية، كالمضاربات العقارية الكبرى، والأرباح الرأسمالية المرتفعة، والأراضي غير المستثمرة داخل المدن، إلى جانب فرض رسوم على السلع الكمالية مثل السيارات الفاخرة، واليخوت، والطائرات الخاصة، وبعض السلع الفاخرة، فضلاً عن رسوم على الخدمات الرقمية والمنصات الأجنبية، بما يحقق العدالة الضريبية والمساواة مع الشركات المحلية".


تفعيل الجباية

كما شدّد على "ضرورة تفعيل الجباية وتحسين التحصيل الضريبي"، معتبراً أنّ "المشكلة الأساسية في لبنان لا تكمن في انخفاض معدلات الضرائب بقدر ما تكمن في ضعف التحصيل والتهرّب من التسديد".

وفي ما يتعلق بالقطاع الصناعي، دعا المكمّل إلى "تخفيف الأعباء عنه، نظراً لدوره الحيوي في خلق فرص العمل وتأمين العملات الأجنبية عبر التصدير"، مؤكداً أنّ "أي ضرائب إضافية يجب ألا تطال المصانع أو الصادرات أو الاستثمارات الإنتاجية".


الربط الإلكتروني

وعن الاقتصاد الموازي الذي يفوّت على الخزينة عائدات، لفت المكمّل إلى أنّ "الاقتصاد النقدي وغير المنظّم يشكّل نسبة كبيرة من الاقتصاد اللبناني، ويحرم الخزينة من مئات ملايين الدولارات سنوياً". ورأى أنّ "معالجة هذه المشكلة تتطلب اعتماد الفوترة الإلكترونية الإلزامية، وربط وزارة المالية والجمارك والسجل التجاري والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلكترونياً، وتشديد الرقابة الجمركية لمكافحة التهريب عبر الحدود والمرافئ".

كما دعا إلى تشجيع وسائل الدفع الإلكتروني للحد من الاقتصاد النقدي، والاستمرار في مكافحة المؤسسات غير المرخّصة التي تنافس الشركات النظامية من دون تسديد الضرائب والرسوم المتوجبة عليها، إضافة إلى اعتماد أنظمة رقابية ذكية تستهدف المتهرّبين الكبار بدلاً من زيادة الضغط على المكلفين الملتزمين.

وختم المكمّل بالتأكيد أنّ "الإقامة الذهبية قد تشكّل فرصة واعدة للبنان إذا اقترنت بإصلاحات اقتصادية ومالية حقيقية، ويمكن أن تؤمّن استثمارات وإيرادات جديدة، ولا سيما من المغتربين اللبنانيين ورجال الأعمال العرب. إلا أنّ الأثر الأكبر على الخزينة لن يتحقق من خلال فرض ضرائب جديدة، بل عبر تحسين الجباية، ومكافحة التهرّب الضريبي، وضبط الاقتصاد الموازي، وجذب الاستثمارات الإنتاجية، لأن الدولة تحتاج إلى توسيع قاعدة المكلفين، لا إلى زيادة الأعباء على الفئات الملتزمة أو على القطاع الصناعي الذي يشكّل أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي".