وائل خير

مأساة لبنان في بنيته

4 دقائق للقراءة

أبرز أحداث الشرق الاوسط مؤخرا هو "مذكرة التفاهم" التي وقعت إلكترونيًا بين أطراف النزاع في العشرين من حزيران 2026.

تعددت دوافع الفرقاء. مصلحة أميركا تجميد العمليات العسكرية خشية أثرها على الانتخابات الدورية إذ إقفال خليج هرمز خفّض ما يقرب من 20 بالمئة من إمدادات النفط ومشتقاته عن السوق العالمية رافعًا أسعار مختلف السلع والخدمات من جراء دور المحروقات في الإنتاج والنقل ما أدى إلى تذمّر المستهلكين. لا يقتصر وقع هذا التراجع على الاقتصاد، بل يتعداه إلى صناديق الاقتراع. أغلب الظن أن واشنطن كانت لتستمر بالأعمال العسكرية، إلى جانب إسرائيل، قامت بإنجاز لا سابق له: حرب حديثة بوسائل تدمير متطورة استمرت لـ60 يوماً، لم تفقد خلالها القوات الأميركية جندياً واحداً. لا بل أكثر، سقوط طائرة في وسط إيران وأسر طياريها، في الأحوال العادية، انتهى بعملية إنقاذ مذهلة عادت بهما أحياء إلى القواعد الأميركية.

انجازات إسرائيل لم تكن أدنى منزلة. شاركت أميركا في الغارات الجوية وتدمير مراكز القيادات وأنفاق تخزين الصواريخ البالستية ومواد إنتاج الأسلحة النووية إضافة إلى استئصال قيادات الصفوف الأولى الثلاث من الحرس الثوري والسلطة الرسمية بمن فيهم خامنئي وإصابة خلفه إصابة بالغة وربما ما يتعدى الإصابة.

لكن لما إيقاف العمليات الواعدة بإنهاء النظام واعتماد التفاوض من جديد؟ اعتبارات عدة:

ما القصف والتدمير من الجو إلا التمهيد للضربة القاضية: إنزال الجيش واحتلال الأرض ما يحتّم اشتباكات برية تترك وراءها ضحايا بين الجنود، ثمن لا يتماشى البتة مع رغبة الأميركيين عشية انتخابات نصف فصلية. وقوع ضحايا فرصة ستستغلها المعارضة ويروّج لها إعلام معادي لترامب. كما لنا أن نتوقع انتشار تحركات تندد بالحرب.

لإيران أيضًا مصلحة في إيقاف القتال إذ تمنح الهدنة نظامًا متهالكًا فرصة التقاط الأنفاس بعد خسائر فادحة على مستوى رأس الدولة وقادتها اضافة الى الصف الاول والثاني والثالث من الحرس الثوري.

لكن في جعبة طهران ما يعوّض بعضا من خسائرها. انها اذرع اسسها نظام ولاية الفقيه وسلّحها وموّلها طيلة أربعة عقود يجني ثمرها أن انتصرت ويتنصل منها أن اقتضت الحاجة.

تلك هي خلفية مؤتمر في سويسرا لبحث "مذكرة التفاهم" ضم الولايات المتحدة وإيران والوسطاء، باكستان وقطر.

قلما مرّت الاتفاقيات الدولية ب"مذكرات تفاهم" التي تعلو قليلا عن"جدول أعمال" أي لقاء. تلاقت مصلحة الرئيس ترامب مع الشظايا المتبقية من الحكم الإيراني على إيلاء أهمية لحدث يكاد يكون لا قيمة له. مكان توقيع الرئيس ترامب كان قصر فرساي. تاريخ التوقيع: يوم ميلاد الرئيس ترامب. ممن حضر وجلس إلى يسار ترامب، رئيس فرنسا الذي صفّق بحماس فور وضع ترامب توقيعًا ينفرد بكثافة خطه وحجمه. أيام من حفل التوقيع التقى في سويسرا ممثلو 4 دول لبحث "المذكرة" بحضور جي.دي. فانس نائب الرئيس الأميركي وممثل إيران إلى جانب ممثلي وسيطي "التفاهم"،:باكستان وقطر. تحققت او كادت، مصلحة ترامب في فتح ممر هرمز وتراجع الأسعار قبل فتح صناديق الاقتراع الأميركية. كما أن ايقاف العمليات العسكرية خدم إيران إذ وضع حدًا، ولو موقتًا، لدمار هائل في بنيتها التحتية وانهيار اقتصادها وتدني لا مثيل له في عملتها، وفي المقابل، ليس في الاتفاقية ضررًا على إيران. إيقاف العمليات العسكرية من قبل حرسها الثوري عوّضته بتكليّف "درة تاج" امتداداتها، "حزب الله"، القيام بعمليات ضد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وقصف شمال إسرائيل.

الرابحان من مؤتمر التفاهم هما أميركا وايران أما الخاسرون فهما إسرائيل ولبنان.

الولايات المتحدة: تفادت إرسال جنود عشية انتخابات نصفية.

إيران أوقفت موجة الدمار الهائلة على أراضيها فيما استمرت بتسجيل انتصارات عسكرية على أرض الغير وبدماء الغير في جنوب لبنان دون أن يطالها حرج أو أذى.

الخاسرون: إسرائيل ولبنان.

خسارة إسرائيل محدودة إذ عملياتها العسكرية مستمرة ولن تتعدى استنكار واشنطن. كما أن عدم الرد عشية انتخابات الكنيست، سيصب في مصلحة المعارضة. أما العلاقة الوثيقة بين أميركا وإسرائيل فلن تتأثر.

ما يقلقنا هو مصير الخاسر الثاني: لبنان. استمرار العمليات على أرضه سيقضي على كل أمل باستعادة حياة طبيعية له وإعادة إعماره. لكن ثمة ما هو أدهى: الوعد بعشرةى مليارات دولار لإيران سيشد العصب ويعيد ولاء بدأ يتهاوى لكثيرين من الشيعة نحو إيران.

في ثنايا هذه الحلول حسنات وسيئات للجميع ما عدا لبنان الذي ستستمر مأساة يعانيها لنصف قرن ويزيد، لم يعرف مواطنوه طوالها إلا التوتر والاقتتال والاحتلالات والفوضى والفقر والهجرة. ليكن لنا جرأة الاعتراف بأن لعنة لبنان في بنيته، ويكن لنا نضوج الدعوة لاستبدالها.