استمرّ تبادل التصريحات المتناقضة بين أميركا وإيران، أمس، حول ما جرى التفاهم عليه في سويسرا، إذ جدّدت طهران نفيها مناقشة الملف النووي خلال المفاوضات والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول منشآتها النووية التي تعرّضت للقصف، معتبرة أن مذكرة التفاهم "إعلان هزيمة لأميركا"، في وقت هدّد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإيرانيين بوقف التفاوض إذا فرضوا رسوم عبور عبر مضيق هرمز. كما جزم بأن بلاده "لم تُقدّم أي أموال إلى إيران، ولم تُفرج لها عن أي من أموالها"، موضحًا: "سنُفرج عن جزء من أموالها، الخاضعة بالكامل لسيطرتنا، لمصلحة مزارعينا ومربّي الماشية لدينا، من أجل شراء الذرة والقمح وفول الصويا وغيرها، فإيران بحاجة ماسّة إلى الغذاء، وسنشتريه لها حصرًا من أميركا"، بينما كانت إيران قد تحدّثت عن عدم وجود قيود على استخدام الأموال المفرج عنها.
ولاحقًا، تحدّث ترامب عن أن طهران تُقدّم تنازلات كبيرة للغاية، مشيرًا إلى تحقيق تقدّم كبير. وأكد أن إيران "توافق على كلّ ما أريده، وعليها أن تفعل ذلك". وأكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن اللجنة الفنية ستعود إلى سويسرا الاثنين أو الثلثاء المقبلين لاستئناف المحادثات مع إيران، موضحًا أن "المحادثات الفنية تتعلّق بالملف النووي والعقوبات". وأعلنت باكستان أن المحادثات الفنية من المقرّر أن تُستأنف الأسبوع المقبل، موضحة أن "ما يحدث ليس سوى توقّف موَقت، وليس تعليقًا للمسار". وبينما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها ستجري عمليات تفتيش في إيران قريبًا بموجب مذكرة التفاهم، جزمت طهران بأنه "لا توجد أي خطة للوصول إلى المنشآت التي تعرّضت للهجوم وإلى المواد النووية، ولن تُبحث هذه المسائل ويُبتّ فيها إلّا في إطار الاتفاق النهائي، وبعد اتخاذ الطرف المقابل خطوات عملية لإنهاء العقوبات كافة"، مشدّدة على أنه "لا يُمكن استغلال الضجيج الإعلامي لفرض حقائق على أرض الواقع".
أما في إطار جولة روبيو الخليجية، فاستقبله الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد في أبوظبي، أمس، وبحث معه علاقات التعاون الاستراتيجي والعمل المشترك بين البلدين والحرص على مواصلة تعزيزها، حسب وكالة "وام". وأفادت واشنطن بأن روبيو بحث مع بن زايد وكبار المسؤولين الإماراتيين التفاهم الأميركي - الإيراني، والجهود الرامية إلى ضمان العبور الكامل والآمن عبر هرمز. كما ناقشوا متانة العلاقات الثنائية بين البلدين، واستمرار الشراكة في مجالي الدفاع والتجارة. وشكر روبيو الإمارات على قيادتها ودعمها منقطع النظير، وأشاد بشجاعتها وصمودها في مواجهة الهجمات الإيرانية، مجدّدًا تأكيد التزام أميركا بأمن الإمارات.
وبعد زيارة الإمارات، حطّ روبيو في الكويت، حيث شارك في مراسم رفع العلم في السفارة الأميركية احتفاءً باستئناف العمل فيها بعدما عُلّق إثر تعرّضها لهجوم إيراني. والتقى روبيو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وبحثا العلاقات التاريخية بين البلدين وسبل دعمها وتنميتها، كما تطرّقا إلى آخر القضايا الإقليمية والدولية ومستجدات الأوضاع في المنطقة. وأوضح روبيو أنه "لدينا علاقات وطيدة مع دول الخليج، ونشكرها على دعمها، ونُطلعها على كل ما يتعلّق بالمفاوضات مع إيران"، مشدّدًا على أن بلاده تريد أن "تعود الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل مجاني، وكلّ دول العالم تؤيّدنا في ذلك". وتعهّد بأن أميركا لن تفعل أي شيء من شأنه أن يقوّض أمن الحلفاء في الخليج عندما يتعلّق الأمر بالتعامل مع إيران. ومن المقرّر أن يختتم روبيو جولته الخليجية في البحرين اليوم، حيث سيشارك في اجتماع لـ "مجلس التعاون الخليجي".
توازيًا، أجرى رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن زيارة إلى مسقط، حيث التقى السلطان هيثم بن طارق واستعرض معه آخر المستجدات الإقليمية، بعد التفاهم الأميركي - الإيراني. واجتمع بن عبدالرحمن مع وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، وأكدا أهمية ضمان أمن وحرّية الملاحة الدولية في هرمز، وإبقائه مفتوحًا أمام حركة الملاحة الدولية من دون رسوم، وفقًا لقواعد القانون الدولي وأحكام مذكرة التفاهم، وبما يكفل الحقوق السيادية للدول المتشاطئة على هرمز والدول المطلّة على الخليج. بالتزامن، كشفت سلطنة عُمان أنها عملت بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية على إتاحة خيار استخدام ممرّ بحري موَقت في هرمز لكلّ السفن، على أن تقوم السفن الراغبة في العبور بالتنسيق مع المنظمة.
وأكد بن عبدالرحمن، خلال مقابلة مع صحيفة "فاينانشال تايمز"، أنه لا يُمكن قبول سيطرة طرف واحد على هرمز، معربًا عن رفض بلاده أي خطط إيرانية لفرض رسوم على الملاحة. واعتبر أن المرحلة المقبلة تتطلّب العمل على بناء إطار أمني جديد يضمّ دول المنطقة وإيران. وبينما تنصّ مذكرة تفاهم على إنشاء صندوق لا تقلّ قيمته عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصاديًا، بالتعاون مع شركاء إقليميين، وصف بن عبدالرحمن رقم الـ 300 مليار دولار بأنه "طموح"، موضحًا أن "جزءًا ممّا نقوم به الآن، كدول إقليمية، هو إنشاء هذا الإطار الأمني الإقليمي بيننا وبين إيران، ونأمل أن يؤدّي إلى تعاون اقتصادي في المستقبل بيننا جميعًا، لإعادة الاستقرار إلى المنطقة".
في السياق، أفاد مصدر دبلوماسي لوكالة "فرانس برس" بأن زيارة بن عبدالرحمن إلى مسقط تهدف إلى التمهيد لمحادثات بين دول الخليج والعراق وإيران في شأن هرمز، منفصلة عن المحادثات الأميركية - الإيرانية، مشيرًا كذلك إلى محادثات منفصلة مرتقبة في السعودية في شأن مصالحة بين دول الخليج وإيران، من دون تقديم تفاصيل عن موعدها. وأوضح أن دول الخليج ستسعى إلى ضمان حرّية الملاحة عبر هرمز وعدم فرض رسوم على العبور، فيما يُتوقع أن تطلب إيران رسومًا بيئية وأمنية لعبور المضيق. ورجّح أن تشارك باكستان في المحادثات الإقليمية في شأن هرمز.
في الأثناء، ادّعى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال مشاركته في أعمال المؤتمر الـ 20 لاتحاد مجالس الدول الأعضاء في "منظمة التعاون الإسلامي" في باكو، أن مذكرة التفاهم "لم تكن نتيجة ضغوط أو إكراه، بل بالأحرى نتيجة مقاومة الأمة الإيرانية الشجاعة وتصميمها"، زاعمًا أن المذكرة "تحوّلت إلى إعلان هزيمة لأميركا". وشدّد على أن "أمن المنطقة يجب أن تضمنه دول المنطقة نفسها، فلا دولة في المنطقة ستجد أمنها في انعدام أمن الآخرين"، معتبرًا أن انسحاب القوات الأجنبية من المنطقة "هدف استراتيجي". وبينما أكد قاليباف أن وقف النار في لبنان كان، ويبقى في نظرنا، بأهمية وقف النار في إيران، جزم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن واشنطن لم تطلب من بلاده الانسحاب من لبنان، مؤكدًا أنه "حتى لو صدر طلب أميركي، فلن ينسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان".