في وقتٍ تُتَّهم فيه مواقع التواصل الاجتماعي بتكريس السطحية وسعي بعض مستخدميها إلى الشهرة السريعة، يبرز وجهٌ آخر لهذه المنصات، وجهٌ أكثر إنسانيةً وتأثيرًا. فخلف المحتوى الترفيهي والإعلانات التجارية، وأحيانًا الإطلالات غير اللائقة واللاأخلاقية، اختار بعض المؤثرين أن يجعلوا من صفحاتهم مساحةً لنشر الأمل، ومساندة المحتاجين، وإيصال أصوات من سحقتهم الحياة، في محاولة لتحسين ظروفهم. ومع اتساع تأثير العالم الرقمي في حياة الناس، باتت هذه المنصات قادرة، حين تُستخدَم بمسؤولية، على تحويل المشاهدات إلى فعل تضامن حقيقي يترك أثرًا إيجابيًا في المجتمع.
تغيير الصورة النمطية
في هذا الإطار، يقول المؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي طوني بعينو، لـ "نداء الوطن"، إنه من القلائل الذين عملوا بوعي ومسؤولية "على تغيير الصورة النمطية للمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، تلك الصورة التي حصرت دورهم في الترويج للعلامات التجارية فقط. اخترت استخدام هذه المنصات بطريقة مختلفة، وتحويلها إلى وسيلة حقيقية لخدمة الناس ومساعدتهم، مستندًا إلى ما أعطاني الله من قدرة وتأثير، لأنني أؤمن بأنَّ التأثير مسؤولية قبل أن يكون شهرة".
ويتابع بعينو: "تمكنتُ من كسب ثقة الناس، التي لم تأتِ بسهولة، بل جاءت نتيجة عمل طويل قائم على الصدق والشفافية. سعيتُ إلى توحيد الناس، على اختلاف أديانهم وخلفياتهم، حول هدف إنساني واحد، وهو مساعدة المحتاجين من دون أي تمييز، لأنّ العمل الإنساني لا ينبغي أن يُقيَّد بأي انتماء، بل يقوم على التعاطف والتكافل".
وأضاف: "يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لدعم القضايا الإنسانية والاجتماعية. وهذا التوجه ليس مجرد محتوى أقدمه، بل هو مشروع أعمل عليه باستمرار وأسعى إلى تطويره. والناس بطبيعتهم يتفاعلون مع القضايا الإنسانية عندما تُعرض بصدق، وأنا أحرص على نقل الواقع كما هو، بعيدًا عن المبالغة أو الاستغلال، وأُصوّر الفيديوهات بعفوية، ولا أنشرها إلا بعد الحصول على موافقة الأشخاص المعنيين".
فسحة أمل
يشير بعينو إلى أنَّ على المؤثرين إيجاد فسحة أمل للناس، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الكثيرون اليوم. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداةً أساسية للوصول إلى الناس، ولا سيّما لدى الجيل الحالي، وبالتالي يمكنها أن تؤدي دورًا كبيرًا في إحداث تغيير إيجابي حقيقي إذا استُخدمت بالشكل الصحيح.
وعن القضية التي أثرت فيه أكثر من غيرها، يقول بعينو: "جميع الحالات مؤثرة في نظري، لأن كل واحدة منها تحمل قصة إنسانية تستحق الاهتمام. علمًا أنني أتعامل مع كل قضية بالجدية نفسها، لأن معاناة الناس لا يمكن مقارنتها أو تصنيفها".
ويلفت بعينو إلى أنه يعمل مع فريق متكامل يساعده في الوصول إلى الحالات المحتاجة، سواء عبر شبكة المعارف أو من خلال البحث المباشر. ويتابع شارحًا: "نتحقق من كل قضية بدقة وموضوعية قبل عرضها، ونعتمد في اختيار الحالات على الأولوية ودرجة الحاجة الفعلية، لضمان أن تصل المساعدة إلى من يستحقها حقًا. وكل ليرة نحصل عليها تصل مباشرة إلى الشخص الذي جرى التبرع له، من دون أي اقتطاع، وهذه مسؤولية كبيرة نلتزم بها أمام الناس. فالمساعدات تأتينا من مختلف الدول، وخصوصًا من دول الخليج العربي، وهذا يعكس حجم الثقة التي بنيناها مع الجمهور، وهو ما يدفعنا إلى الاستمرار".
ويختم طوني بعينو حديثه بدعوة جميع المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي "إلى التفكير بالناس أيضًا، وعدم الاكتفاء بالمحتوى التجاري، بل السعي إلى تقديم شيء ذي قيمة، لأن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بقدرتنا على إحداث فرق إيجابي في حياة الآخرين".
أدوات لنشر الفرح
وفي الإطار نفسه، يرى المؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي كريس سعيد، في حديثه إلى "نداء الوطن"، أنّ "وسائل التواصل الاجتماعي تتحوّل من مجرد مساحة للترفيه إلى أدوات لنشر الفرح والتعارف عندما نختار نحن أن نُحدث التغيير: بكلمة طيّبة، ودعم حقيقي غير مزيّف، ومحتوى راقٍ يجمع بين الترفيه والقيمة. فنحن قادرون على تحويل الشاشة الصغيرة التي بين أيدينا إلى وسيلة للخير أو، على العكس، إلى وسيلة للشر، وهذا الخيار يعود إلينا وحدنا".
ويتابع سعيد: "اخترتُ تقديم المحتوى الإنساني لأنني أؤمن بأن الفرح حق لكل إنسان، وخصوصًا للمريض؛ فالمريض لا يشفى فقط بحبة دواء، بل يحتاج إلى كلمة طيّبة وابتسامة صادقة تمنحه الأمل. كما أؤمن بأن الدعم النفسي قد يكون أحيانًا أقوى من العلاج، وأن وجود من يهتم بالآخر ويشعر به يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس".
وفاة الشاب المريض بالسرطان الياس جميل الياس، الذي كان في عمر الورود، أكثر ما أثَّر في نفس كريس سعيد، الذي يقول إن السماء احتضنت الياس قبل أن يخطفه الشر. "هذه التجربة لم تكن عابرة بالنسبة إليَّ، بل تركت أثرًا عميقًا في داخلي، وجعلتني أكثر تمسكًا برسالتي الإنسانية، وأكثر إصرارًا على نشر الفرح والأمل في حياة الآخرين"، يقول سعيد.
الإبداع هو الوسيلة
ويعتبر المؤثر الشاب أنه يكبر بكل شخص شجعه ووقف إلى جانبه، ويؤكد أنّ دعاء المرضى وأهاليهم يجعله يشعر بأن الدنيا صغيرة جدًا أمام وجع الناس، "تلك الأدعية تعطيني دافعًا للاستمرار، وتجعلني أتحمّل مسؤولية أكبر في كل محتوى أقدّمه، لأنني أدرك أن ما أفعله قد يخفف عن إنسان أو يمنحه لحظة فرح يحتاج إليها بشدة".
"صانع المحتوى ينبغي أن يكون إنسانيًا، خلوقًا، ومبدعًا في الوقت نفسه"، يقول سعيد، "فالأخلاق ليست خيارًا، بل أساس، والإبداع هو الوسيلة التي نصل من خلالها إلى قلوب الناس. وصانع المحتوى الحقيقي هو من يستطيع أن يُضحك الناس أو يؤثر فيهم بصدق، وهذا الأمر ينبع من الفطرة قبل أي شيء آخر".
ويصف المؤثر كريس سعيد محتواه بأنه كوميدي هادف، يهدف من خلاله إلى "إدخال الفرح إلى قلوب الناس، ورسم الابتسامة على وجوههم، إلى جانب نشر الوعي. أما الثقة فهي عامل أساسي ومهم جدًا في هذا المجال، لأنها تُبنى مع الوقت، وتُحافظ عليها بالمصداقية والاستمرارية".
ويتابع قائلا إنّ كل شريط مصوّر إنساني، حتى لو كان قصيرًا، قد يكون سببًا في تغيير مسار حياة شخص مريض، وقد يمنح الأمل لعائلته. "لدينا أمثلة كثيرة على ذلك، وأبرزها فيديوهات الشاب الياس، الذي أصبح رمزًا للبراءة والأمل، وترك أثرًا لا يُنسى في قلوب الناس".
"الإنسان الإيجابي نعمة، خصوصًا إذا كان صانع محتوى، لأن مواقع التواصل مليئة بالأقنعة، وكثيرون يظهرون بغير حقيقتهم"، يختم كريس سعيد حديثه، ويقول: "من خلال تجربتي المتعبة والمفرحة في آنٍ معًا، أقدم نصيحتي: ازرعوا الفرح في قلوب الناس كما لو أنكم تزرعون ورودًا، لأن الحياة قصيرة جدًا، والإيجابية سلاح ذو حدين، فاختاروا دائمًا أن تستخدموه في الاتجاه الصحيح".
إذًا، بينما تتزايد التحديات والضغوط الاجتماعية والإنسانية في بلدنا، يبقى الخيار بيد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والمؤثرين: إما تحويلها إلى مساحة للسطحية والضجيج، أو جعلها منبرًا للخير والدعم والإنسانية.
