المقدمة
بعد أن تحدثنا عن الحرية قبل اليقين، والحقيقة قبل الوهم، والتواضع قبل الادعاء، نصل إلى سؤال لا يمكن لأي مجتمع أن يتجنبه: ماذا نفعل عندما نلتقي بمن لا يفكر مثلنا؟
هنا تبدأ لحظة الاختبار الحقيقية.
فمن السهل أن نحترم من يشبهنا، ومن السهل أن نتحاور مع من يوافقنا، لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما نقف أمام شخص يختلف معنا في الدين، أو السياسة، أو الثقافة، أو الفكر، أو حتى في طريقة رؤيته للحياة.
في تلك اللحظة يظهر خياران: إما الحوار، وإما الإقصاء.
إما أن نحاول الفهم، وإما أن نكتفي بالحكم؛ إما أن نرى إنساناً، أو أن نرى خصماً.
ولهذا لم يكن الحوار في تاريخ البشرية مجرد وسيلة للتواصل، بل أحد أهم شروط التعايش الإنساني. فالمجتمعات لا تنهار بسبب الاختلاف، بل بسبب العجز عن إدارة الاختلاف.
لماذا نخاف من المختلف؟
يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عما يشبهه، فالتشابه يمنحه شعوراً بالأمان، بينما يدفعه الاختلاف إلى التساؤل وربما إلى القلق.
وقد أشار عالم النفس الاجتماعي الأمريكي جوناثان هايدت (Jonathan Haidt) في كتابه The Righteous Mind (2012) إلى أن البشر لا يبنون مواقفهم دائماً انطلاقاً من التفكير العقلاني البحت، بل كثيراً ما تنطلق مواقفهم من الانتماء والهوية، ثم يأتي العقل لاحقاً ليبرر ما اختارته الهوية مسبقاً.
ولهذا لا يكون الخلاف دائماً بين أفكار وأفكار، بل أحياناً بين هويات وهويات؛
وهنا تبدأ المشكلة.
فعندما يصبح الانتماء أهم من الحقيقة، والجماعة أهم من الإنسان، يتحول الحوار إلى تهديد، ويتحول المختلف إلى خطر، ويتحول التنوع إلى مصدر خوف بدلاً من أن يكون مصدر غنى.
ما هو الحوار؟
كثيراً ما يُساء فهم الحوار، فالبعض يظنه محاولة لإقناع الآخر، والبعض يراه نوعاً من التفاوض، والبعض يعتبره وسيلة للوصول إلى تسوية أو حل وسط؛ لكن الحوار في معناه الأعمق ليس أياً من هذه الأمور.
الحوار الحقيقي لا يبدأ عندما أحاول أن أجعلك تفكر مثلي، بل عندما أحاول أن أفهم كيف تفكر، ولا يبدأ عندما أبحث عن نقاط ضعف حججك، بل عندما أبحث عن الإنسان الكامن خلف أفكارك.
ولعل سقراط (Socrates) قدّم أحد أجمل النماذج في هذا المجال، فقد كان يجوب شوارع أثينا وأسواقها لا ليخبر الناس بما يجب أن يفكروا به، بل ليجعلهم يفكرون. كان يسأل السياسي، والشاعر، والقاضي، والمواطن العادي، لا لكي يحرجهم أو يهزمهم في النقاش، بل لكي يساعدهم على اكتشاف ما إذا كانوا يفهمون فعلاً ما يعتقدون أنهم يفهمونه.
ولهذا قامت فلسفته على الحوار أكثر من قيامها على التعليم المباشر، فهو لم يكن يرى الحكمة شيئاً يُلقى من الأعلى إلى الأسفل، بل رحلة مشتركة تبدأ بالسؤال؛ وكان يعتقد أن السؤال الجيد أكثر قيمة من الجواب الجاهز، لأن الجواب قد ينهي التفكير، أما السؤال فيبدأه.
ومن هنا يصبح الحوار أكثر من مجرد تبادل للكلمات، إنه لقاء بين إنسانين يعترف كل منهما بأن الحقيقة أكبر منه، وأن فهم الواقع يصبح أغنى عندما تتلاقى الرؤى المختلفة.
ومن اللافت أن كلمة "حوار" نفسها مشتقة من الجذر العربي ( ح ور ) الذي يدل، كما يذكر ابن فارس في مقاييس اللغة، على معنى الرجوع والعودة، ومن هنا جاءت المحاورة، أي مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين، فالحوار في أصله اللغوي لا يعني أن يتكلم شخص ويستمع الآخر فقط، بل يعني أن يعود الكلام من أحدهما إلى الآخر في حركة متبادلة من الأخذ والرد، والإصغاء والمراجعة.
ولهذا فإن الحوار الحقيقي لا يكون في اتجاه واحد، فحين يتوقف الإنسان عن الاستماع، يتحول الحوار إلى خطاب، وحين يتوقف عن المراجعة، يتحول إلى إملاء، وحين يصبح الهدف هو الانتصار لا الفهم، يتحول إلى جدال.
أما الحوار في جوهره فهو عودة مستمرة إلى الآخر، وعودة مستمرة إلى الذات في الوقت نفسه؛ عودة إلى الآخر لفهمه، وعودة إلى الذات لمراجعة ما نعتقد أننا نعرفه.
ولهذا لا يُقاس نجاح الحوار بمدى تغييرنا للآخر، بل بمدى قدرتنا على فهمه فهماً أعمق، فقد ننهي الحوار وما زلنا مختلفين، لكننا نخرج منه أكثر إنسانية، وأكثر فهماً، وأقل ميلاً إلى الإقصاء.
عند البئر... بدأ الحوار
لعل واحدة من أعمق قصص الحوار في الإنجيل هي لقاء يسوع بالمرأة السامرية (يوحنا 4: 1-42). ففي ذلك الزمن لم يكن الخلاف بين اليهود والسامريين مجرد اختلاف فكري أو ديني عابر، بل كان انقساماً تاريخياً واجتماعياً امتد قروناً طويلة، ولهذا فوجئت المرأة عندما طلب منها يسوع ماءً، فقالت: "كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟" (يوحنا 4: 9)
ويضيف النص مباشرة: "لأن اليهود لا يعاملون السامريين."
لكن اللافت أن يسوع لم يبدأ بإدانتها، ولم يبدأ بتصحيح عقائدها، ولم يبدأ بتذكيرها بتاريخ الخلافات بين جماعتيهما، بل بدأ بحوار.
وكأن أول خطوة نحو الإنسان ليست إقناعه، بل الإصغاء إليه، وأول خطوة نحو الحقيقة ليست الانتصار في النقاش، بل الاعتراف بإنسانية الآخر، لقد كان يسوع قادراً على أن يرى كل ما يفرّق بينهما، لكنه اختار أن يرى الإنسان قبل التصنيف.
وربما لهذا السبب لم يتحول اللقاء إلى جدال بين فريقين، بل إلى رحلة اكتشاف متبادلة، فالمرأة بدأت اللقاء متوجسة، لكنها أنهته قادرة على رؤية نفسها والعالم بطريقة مختلفة.
وكأن الإنجيل يريد أن يقول لنا إن الحوار لا يبدأ عندما نتفق، بل عندما نقرر أن نعطي المختلف عنا فرصة للكلام، فالإقصاء يبدأ من الأحكام المسبقة، أما الحوار فيبدأ من الفضول الإنساني.
لم نُخلق لنتشابه
ومن اللافت أن الفكرة نفسها تحضر أيضاً في الرؤية الإسلامية للإنسان؛ فالقرآن الكريم لا يتحدث عن التنوع بوصفه مشكلة ينبغي التخلص منها، بل بوصفه جزءاً من طبيعة الوجود الإنساني: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (الحجرات: 13).
فالآية لا تقول: لتتشابهوا، ولا تقول: لتذوبوا في بعضكم، ولا تقول: لتلغوا اختلافاتكم، بل تقول: "لتعارفوا."
وكأن التعارف، بمعناه العميق، هو الوجه الآخر للحوار، فالحوار ليس محاولة لجعل الآخر نسخة عنا، بل محاولة لفهمه كما هو.
ويعبّر الإمام علي بن أبي طالب عن الفكرة نفسها في عهده الشهير إلى مالك الأشتر حين يقول: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"؛ ولعل عظمة هذه العبارة تكمن في أنها تعيد الإنسان إلى مركز المشهد، فحتى عندما يختلف الآخر معنا في العقيدة أو الفكر أو الرأي، يبقى إنساناً، ولا تسقط عنه كرامته بسبب اختلافه، ولا يصبح أقل استحقاقاً للعدالة أو الاحترام أو الرحمة.
وربما تبدأ كل أشكال الإقصاء عندما ننسى هذه الحقيقة البسيطة، اي عندما يتحول الإنسان إلى تصنيف، والشخص إلى شعار، والفرد إلى رقم داخل جماعة.
لبنان والعيش مع المختلف
التجربة اللبنانية تقدم مثالاً واضحاً على أهمية الحوار في مجتمع متنوع، وليس المقصود هنا الدعوة إلى صيغة سياسية محددة، ولا إلى ما يسمى بالوحدة الوطنية أو العيش المشترك او السلم الاهلي بالمعنى الإنشائي أو الشعاري للكلمة، ولا حتى إلى نظام مركزي أو لا مركزي بعينه، فهذه كلها خيارات سياسية قابلة للنقاش والاختلاف.
ما يهمنا هنا هو مبدأ أبسط وأعمق: أن اللبناني سيبقى لبنانياً مهما كان انتماؤه الديني أو السياسي أو الثقافي، وأن مستقبل هذا البلد لن يُبنى بإلغاء أحد أو بإقصائه، بل بقدرة أبنائه على الاعتراف بوجود بعضهم بعضاً والتعامل مع الآخر كما هو، لا كما يرغب كل طرف أن يكون، فالحوار لا يبدأ عندما يصبح الآخر نسخة عنا، بل عندما نقبل بأنه مختلف عنا، ويبقى مع ذلك شريكاً في الوطن وفي الإنسانية.
فاللبناني لا يستطيع أن يلغي اللبناني الآخر، كما لا يستطيع أن يلغيه التاريخ أو الجغرافيا، ويبقى الحوار الصريح والمباشر والحقيقي، القائم على القيم والاحترام المتبادل، مهما كان صعباً، أقل كلفة من كل البدائل الأخرى.
فالغاية من الحوار ليست أن نتفق على كل شيء، بل أن نبقى قادرين على العيش مع اختلافنا من دون أن يتحول الاختلاف إلى إلغاء متبادل، بل إلى إدارة إنسانية لهذا الاختلاف.
التواضع بوابة الحوار
في المقال السابق اكتشفنا أن التواضع ليس إنكاراً للذات، بل الاعتراف بأن الحقيقة أكبر من أن يمتلكها شخص واحد، وهنا تحديداً يولد الحوار، فالإنسان الذي يعتقد أنه يملك الحقيقة كاملة لا يحتاج إلى الحوار، بل يحتاج فقط إلى من يوافقه؛ أما الإنسان المتواضع فيدرك أن الآخرين قد يرون شيئاً لا يراه هو، ولهذا يصغي، ويسأل، ويتعلم، ويغيّر رأيه أحياناً، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه يحترم الحقيقة أكثر مما يحترم غروره.
فالحوار ليس مجرد تبادل للكلمات، بل ثمرة طبيعية للتواضع؛ لأن من يعترف بأن الحقيقة أكبر منه يصبح أكثر استعداداً للإصغاء إلى الآخرين.
الإنسان قبل التصنيف
المشكلة أن الإقصاء لا يبدأ بالعنف، بل يبدأ غالباً بكلمة، بتصنيف، بلقب، بصورة نمطية؛ ثم يكبر تدريجياً حتى يصبح من السهل أن نرى الانتماء قبل الإنسان، والجماعة قبل الفرد، والشعار قبل الوجه. وعندها يبدأ الإنسان بالاختفاء، فلا يعود الآخر أباً أو أماً أو صديقاً أو جاراً أو زميلاً أو مواطناً، بل يصبح "واحداً منهم".
وتلك ربما أخطر لحظة في أي مجتمع؛ اللحظة التي يتوقف فيها الناس عن رؤية بعضهم بعضاً كأشخاص، ويبدأون برؤية بعضهم كتصنيفات.
وقد رأينا ذلك مراراً في التاريخ، فالحروب لا تبدأ بالسلاح، بل تبدأ بفكرة تقول: "نحن" و"هم"، "الخير كله عندنا"، "والخطأ كله عندهم."
ومنذ تلك اللحظة يصبح الحوار أكثر صعوبة، لأن الإنسان لم يعد يتحاور مع إنسان، بل مع صورة رسمها عنه مسبقاً؛ ولهذا لم يكن خطر الإقصاء في أنه يبعدنا عن الآخرين فحسب، بل في أنه يسرق منهم إنسانيتهم في أعيننا.
وعندما يختفي الإنسان خلف الطائفة، أو الحزب، أو الدين، أو الأيديولوجيا، يصبح من السهل رفضه، أو تجاهله، أو كراهيته، لأننا لم نعد نراه كما هو، بل كما تخيلناه.
إن كل أشكال الحوار تبدأ عندما نرى الإنسان أولاً، وكل أشكال الإقصاء تبدأ عندما نتوقف عن رؤيته، فالحوار يبدأ من الاعتراف بإنسانية الآخر، أما الإقصاء فيبدأ من نسيانها.
من الحوار إلى الإنسانية
يرى الفيلسوف النمساوي مارتن بوبر (Martin Buber) في كتابه I and Thou (1923) أن الإنسان لا يكتشف ذاته إلا عندما يلتقي الآخر كـ"أنت"، لا كشيء أو كأداة أو كوسيلة.
فالإنسانية تبدأ عندما يصبح الآخر شخصاً لا موضوعاً،
ويؤكد البابا فرنسيس في رسالته Fratelli Tutti (2020) أن الحوار الحقيقي لا يقتضي التخلي عن القناعات، بل الاعتراف بكرامة الإنسان حتى عندما يختلف معنا.
الحوار لا يعني أن جميع الآراء متساوية، ولا يعني أن الحقيقة غير موجودة، ولا يعني أن نتخلى عن قناعاتنا، بل يعني أن الإنسان يظل أكبر من الخلاف، وأن الكرامة الإنسانية لا تسقط بسبب اختلاف الرأي، وأن البحث عن الحقيقة يصبح أكثر غنى عندما يلتقي البشر حولها بدل أن يتحاربوا باسمها.
الخاتمة
هكذا نكتشف أن الحوار ليس مهارة اجتماعية فحسب، بل موقف إنساني.
إنه الاعتراف بأن الآخر، رغم اختلافه، يظل إنساناً مثلنا، ولهذا لا يبدأ الحوار من اللسان، بل من القلب، ولا يبدأ عندما نتكلم، بل عندما نصغي، ولا يبدأ عندما نرى الآخر، بل عندما نختار أن نراه إنساناً.
فكل إقصاء يبني جداراً، وكل حوار يبني جسراً.
فالحوار لا يلغي الاختلاف، لكنه يمنع الاختلاف من أن يتحول إلى عداوة.
من يظن أنه يملك الحقيقة لا يحاور، ومن لا يحاور لا يفهم، ومن لا يفهم يحكم، ومن يحكم سريعاً يُقصي.
ومن هنا تبدأ محطتنا القادمة: الفهم قبل الحكم
لماذا نحكم على الناس قبل أن نفهمهم؟