روجيه نهرا

برج الملوك... بلدة الصمود على تخوم الحدود

4 دقائق للقراءة

يعيش أهالي بلدة برج الملوك اليوم ظروفاً بالغة الصعوبة بفعل الحرب الدائرة، إذ توقفت الأشغال والمصالح والأعمال الزراعية التي يعتمد عليها أغلبية السكان، فيما يتمسك الأهالي بأرضهم التي يعتبرونها المهد الأول والأخير، رافضين مغادرتها رغم المخاطر والتحديات.

وقد سجّل أبناء برج الملوك نموذجاً لافتاً في الصمود والثبات، مؤكدين تمسكهم بلبنان وانتمائهم الوطني، بعدما قدمت البلدة عدداً من الشهداء في صفوف الجيش اللبناني دفاعاً عن الوطن. المطلب الوحيد لأبناء برج الملوك هو أن يستعيدوا حياتهم الطبيعية بعيداً من الحروب والتهجير. ويؤكدون أنهم لا يريدون إلا أن يكونوا لبنانيين دائماً وأبداً، فهم أبناء هذه الأرض منذ الأزل، متجذرون فيها، متمسكون بوطنهم، ولن يكون لهم انتماء سوى لبنان.

بلدة برج الملوك واحدة من قرى قضاء مرجعيون، واقعة على مقربة من الحدود يبلغ عدد سكانها نحو 1500 نسمة، وتشكل الغالبية المسيحية النسبة الأكبر منهم، فيما تحتضن البلدة أربع كنائس تعكس تاريخها وتنوعها. تشكّل برج الملوك حلقة وصل بين منطقتي جبل عامل والنبطية والبقاع، وترتفع نحو 650 متراً عن سطح البحر. بلدة كفركلا جارتها الجنوبية، وشمالاً القليعة، وغرباً دير ميماس، وشرقاً الخيام، وتتشارك مع هذه البلدات سهل مرجعيون الذي يشكل شرياناً أساسياً للزراعة ومصدر رزق لمعظم الأهالي.

وأشار رئيس بلدية برج الملوك إيلي سليمان إلى أن الحرب أصابت مختلف نواحي الحياة بالشلل، فالاقتصاد متوقف بالكامل، والجمود يفرض نفسه على كل القطاعات، ولم يعد بالإمكان الاستمرار في هذا الواقع القاسي.

وناشد رئيس البلدية الدولة اللبنانية، ولا سيما وزارة الداخلية ووزارة المالية، الالتفات إلى أوضاع بلديات الجنوب وتقديم الدعم اللازم لها، لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار في ظل هذا الواقع.

قضية ملحة أخرى لا تقل أهمية عن غيرها، وهي خطر الحرائق مع دخول فصل الصيف. فبسبب عدم قدرة أصحاب الأراضي على تنظيف الأعشاب اليابسة نتيجة الظروف الصعبة أصبحت احتمالات اندلاع الحرائق مرتفعة جدًا. من هنا، نوجه نداءً إلى وزارة الداخلية وإلى المديرية العامة للدفاع المدني لتقديم الدعم العاجل لمركز الدفاع المدني في القليعة، لأنه يغطي عددًا كبيرًا من بلدات المنطقة، ومنها برج الملوك، ويؤدي دورًا أساسيًا في مواجهة الحرائق وحماية الأهالي والممتلكات.

ميشال الحمصي صاحب مطعم في البلدة، قال: كسائر القرى المحاذية للحدود تدفع بلدتي برج الملوك باستمرار ثمن حروب الاخرين والتوترات الأمنية المستمرة، رغم أن سكانها لا يطالبون سوى بالعيش بأمان وسلام. وأشار الحمصي إلى أن إقفال الطرق الرئيسية المؤدية إلى المنطقة زاد من معاناة الأهالي، بعدما اضطروا إلى استخدام طرق بديلة أطول وأكثر كلفة للوصول إلى النبطية وصيدا وبيروت وتأمين احتياجاتهم اليومية، ما فاقم الأعباء المعيشية مطالبا بإعادة فتح الطرق وتأمين الاستقرار.

ولأن ارتباط الأهالي بأرضهم يفوق كل الصعوبات، كما أشارت السيدة غادة خوري فإنهم لا يمكثون طويلاً خارجها، وسرعان ما يعودون إليها لأنها الأرض التي ولدوا وترعرعوا فيها، بما تتميز به من طبيعة خلابة وينابيع مياه وأراضٍ زراعية وأهالٍ تجمعهم علاقات محبة وتآخٍ.

وتابعت بكلمات تعبّر عن تعلق الأهالي بأرضهم: "برج الملوك بلدة جميلة بكل ما للكلمة من معنى، لا ينقصها سوى الهدوء والسلام والطمأنينة. لا نستطيع الابتعاد عنها، فهي أرض الآباء والأجداد، فيها ولدنا وكبرنا، وبين سهولها وحقولها ومياهها العذبة صنعنا ذكرياتنا. أهلها طيبون، وتجمعنا علاقات أخوة ومحبة مع القرى المجاورة، ولا سيما القليعة ودير ميماس. كل ما نريده هو أن يعم السلام، وأن تعود الحياة الطبيعية إلى بلدتنا، لنعيش بكرامة وأمان."