جوزيف حبيب

مقبرة الأوهام

3 دقائق للقراءة
بوتين أغرق روسيا في المستنقع الأوكراني القاتل (رويترز)

استبعد جمع من الخبراء أن يُقدِم الرئيس بوتين على غزو أوكرانيا عندما شرع يحشد عشرات الآلاف من الجنود الروس على حدود جارته منذ نهاية عام 2021. اللافت آنذاك أن من انتظر شنّ حملة عسكرية روسية ضدّ أوكرانيا توقّع سقوط كييف سريعًا في قبضة قوات الكرملين. أذكُر أنّني واجهت صعوبة في إقناع أكاديميين بعكس ذلك وقتذاك، فقد كان يُنظر إلى بوتين على أنه قائد رؤيوي وحكيم لن يخطو أي خطوة غير مدروسة تجاه دولة يعرفها الروس جيّدًا. لكن الأسابيع والسنون التي تلت يوم 24 شباط من عام 2022 دفنت الأوهام، وأزاحت الغبار عن حقيقة أن بوتين أغرق روسيا في المستنقع الأوكراني القاتل، وبدلًا من كبح تمدّد حلف "الناتو"، تضاعف طول حدود روسيا المشتركة معه.

شكّل قرار "القيصر" باقتحام أوكرانيا أكبر سقطة استراتيجية لروسيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. أطلقت موسكو على الحرب ضدّ أوكرانيا تسمية "العملية العسكرية الخاصة"، وما زالت متمسّكة بالتعبير المصطنع الذي يثير سخرية النقّاد. تخطّت مدّة هذه "العملية الخاصة" حقبة الحرب العالمية الأولى بأسرها، وإذا لم يطرأ أي تغيير جذري في المقاربات السياسية والدبلوماسية والعسكرية، فليس مستبعدًا أن تتجاوز "العملية الخاصة" الفترة التي استغرقتها الحرب العالمية الثانية. كشفت الحرب محدودية قدرات "الدب الروسي"، وبَدَّت الأعطاب التي تعتري آلته الحربية. تمتلك روسيا أكبر ترسانة نووية في العالم، وتستحوذ على صواريخ متقدّمة، إلّا أن قوّاتها البرّية والبحريّة والجوّية لم تكن على قدر تطلّعات أصحاب المشاريع الإمبراطورية.

بعد استيلاء روسيا المباغت على شبه جزيرة القرم وإشعالها منطقة دونباس، بدأت كييف بتجهيز العدّة للمواجهة الوجودية الكبرى. درس قادة أوكرانيا موازين القوى، وقرّروا مقاومة "العدوّ" الروسي، مهما كان الثمن باهظًا. حسمت كييف خيارها المصيري قبل "ساعة الصفر"، وجسّده القائد العام السابق للقوات المسلّحة الأوكرانية، فاليري زالوجني، بوضوح تام في 12 شباط 2022، حين وجّه رسالة تحذير تاريخيّة معبّرة إلى القوات الروسية، قال فيها: "أهلًا بكم في الجحيم!". لم يأخذه الروس على محمل الجدّ، وعليه، فقد دفعوا أكلافًا بشرية ومادية فادحة، وتسبّبوا في دمار هائل وفي شرخ عميق مع أبناء الجوار، إضافةً إلى إيقاظهم "المخاوف النووية".

ضُربت صورة "روسيا القوية" وشُوّهت خلال المرحلة الماضية. الهالة المحيطة بروسيا، التي عمل بوتين جاهدًا على رسمها طوال مسيرته الاستخباراتية والسياسية، تلقّت صفعة مدوّية من رابع المستحيلات أن تتعافى منها قريبًا. استطاعت أوكرانيا التكيّف مع الحرب، ولو بصعوبة بالغة، ونقلت نيرانها الحارقة إلى العمق الروسي بفضل تفوّقها في تكنولوجيا المسيّرات. تواجه روسيا أزمة محروقات متقطّعة، مع انكشاف بنيتها التحتية للطاقة أمام أوكرانيا. اعتبر بوتين أخيرًا أن كييف تهدف إلى زعزعة استقرار المجتمع الروسي. لم يُخطئ في هذا التقييم، وهو يُدرك أن ديمومة موقعه في الكرملين باتت مرتبطة بمخرجات الحرب. يليق بالأوكرانيين والروس السلام، كما يستحقّون نهاية "عادلة" للحرب.