اتفاق "الإطار الثلاثي" بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، محطة تاريخية وتأسيسية تُسقط ما قبلها من اتفاقات، وتعلن ما يمكن وصفه بـ"القرار اللبناني المستقل" بعد نحو 60 سنة من استعمال الجنوب ورقة لمصالح جهات إقليمية، وأطراف محلية أرادت الانقلاب على "المشروع اللبناني" الفريد في المنطقة. وبصريح العبارة، اتفاقية الهدنة والقرار 1701 تجاوزتهما الأحداث لأنهما لم يجدا طريقهما إلى التطبيق. و"الإطار الثلاثي" جاء أوضح من اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 لجهة نزع السلاح غير الشرعي "في أي مكان داخل لبنان"، وهذا "الاتفاق الإطاري" بدّد تمنيات الميليشيا التي وجدت في "خلية سويسرا" إدخالا لإيران في المعادلة اللبنانية. ويبدو أن هذه "الخلية" وُلدت ميتة، خصوصًا مع الاهتزازات العنيفة لمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية في ضوء عودة التوتر العسكري بين البلدين.
وهذه المذكرة وهذا "الاتفاق الإطاري" يتألف كل منهما من 14 بندًا، ومن مئات احتمالات النجاح والفشل. ومما لا شكّ فيه أن حضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اجتماع مجلس التعاون الخليجي، وتشديد البيان على طي صفحة الميليشيا الإيرانية في لبنان، ثم انتقاله السريع للمشاركة في اليوم الرابع للمحادثات في واشنطن، أصاب مقتلا في إيران وفصيلها اللبناني، لأن روبيو أوضح ما التبس على الخليجيين في "مذكرة التفاهم"، وسرّع في ولادة "الإطار الثلاثي"، فانهار فائض الأوهام في غضون أيام.
التوقيع اللبناني على الاتفاق وعلى الملحق الأمني، الذي يحدد خريطة الطريق للانسحابات الإسرائيلية وبسط سيطرة الجيش اللبناني، مدعوم عربيًا، وبالأخص خليجيًا، وهذا واضح في متن النص، وأصلا لم تكن الدولة لتُقدم عليه لولا ذلك. وفي متن النص أيضًا إشارات إلى رفض التدخل الإيراني و"ادعاءات أي دولة أو جهة غير حكومية بممارسة أي دور عسكري وأمني"، وتعهد إسرائيل بعدم وجود أطماع لديها في الأراضي اللبنانية. كالمعتاد، أعلنت الميليشيا العصيان على الاتفاق، ومن المتوقع أن تبدأ حملة مفتوحة على كل الاحتمالات الأمنية والسياسية لمحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
ويبدو أن الدولة حازمة هذه المرة في إنجاح هذا الاتفاق، وليس تفصيلا عابرًا أن يُصدر النائب العام التمييزي، القاضي أحمد رامي الحاج، بعد الاتفاق مباشرة، استنابة قضائية لكل الأجهزة الأمنية بـ"اتخاذ التدابير والإجراءات الأمنية اللازمة لمنع أعمال الشغب، والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة، وقطع الطرق وإعاقة تحركات المواطنين، ومنع كل الأفعال التي من شأنها الإخلال بالأمن العام".
"الدويلة" تتهاوى، و"الدولة العميقة" بدأت تتفكك في بعض المفاصل المهمة. ما صدر عن القاضي الحاج أكثر من استنابة؛ إنها خطوة استباقية لحماية التزام لبنان بالاتفاق. والمفارقة المؤسفة أن مهمة الجيش اللبناني تبدو أصعب في التعامل مع الميليشيا من مهمته في تنسيق الانسحاب الإسرائيلي. فالاتجاه السياسي مع إسرائيل اتجاه سلمي نحو اتفاق "سلام شامل" و"إنهاء حال العداء"، بينما الاتجاه مع الميليشيا اتجاه صدامي، كونها غير شرعية وعرضة للملاحقة القضائية.
هل سنقرأ بعد الآن في البيانات توصيف "العدو الإسرائيلي"؟ لقد التزم الطرفان في البند 13 "باتخاذ تدابير بحسن نية تعكس نوايا إيجابية، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية". لبنان أمام مفترق تاريخي كبير، وسقوط هذا الاتفاق نتيجته الحتمية سقوط الدولة والنظام ودستور الطائف. كذلك، إن وصول الاتفاق إلى خواتيم "سلام مع إسرائيل" سيكون له ارتدادات حتمية على البنية الداخلية للنظام. في الحالين، لبنان الذي كان، بعد 26 حزيران 2026، يتجه إلى "لبنان آخر".