المحامي اسطفان عسال

من التشخيص إلى التشريع... 4 محاور لإنقاذ الجيل القادم من الاقتلاع

9 دقائق للقراءة

في مقال سابق، وثّقنا بالأرقام ظاهرة إفراغ الضيع الجبلية من شبابها هجرةً وانعدام إنجاب وانفصالاً عن الأرض. وقد لقي المقال صدىً واسعاً، ووصل إلى مرجعيات روحية وسياسية عدة. لكن التشخيص وحده لا يُشفي. اليوم، نُقدّم ما ينبغي أن يأتي بعده: مقترحات تشريعية وسياسية قابلة للتطبيق.

المشكلة ليست في الجيل. المشكلة في منظومة تعليمية وتشريعية لم تُعدّ هذا الجيل لأن يُحبّ وطنه، ولم تُقدّم له سبباً كافياً للبقاء فيه.


أولاً: التربية المدنية مادة ومختبر ميداني في آنٍ واحد

المنهج التربوي اللبناني، رغم إصلاحات متعددة، لا يزال يُعامل التربية الوطنية والاجتماعية كمادة هامشية تُحفَظ للامتحان وتُنسى بعده. النتيجة أمامنا: أجيال لا تعرف حقوقها كاملةً، ولا تُدرك واجباتها أصلاً، وتنظر إلى العمل التطوعي كعبء لا كقيمة.

المقترح التشريعي الأول:

إلزام وزارة التربية بإدراج مادة "التربية المدنية والخدمة المجتمعية" كمادة مستقلة إلزامية من الصف السابع حتى الصف الحادي عشر، بمعدل ثلاث ساعات أسبوعياً، على أن تتوزع على شقّين متلازمَين لا يقوم أحدهما دون الآخر:

الشقّ النظري: يشمل الدستور اللبناني وحقوق الإنسان وتاريخ المجتمع المدني، وأخلاقيات المهنة، وثقافة العمل الطوعي، وقيمة الخدمة العامة.

الشقّ الميداني: يُلزم كل طالب بإتمام ثلاثين ساعة سنوية من العمل الفعلي في مؤسسات معتمدة: مراكز الصليب الأحمر، الدفاع المدني، البلديات، دور المسنّين، المنظمات البيئية، أو في الأعمال اليدوية المجتمعية. وهنا لا بدّ من أن أستحضر مشهداً رأيته بأم عيني.

شاركت في المسيرة من مدينة البترون إلى دير كفيفان في ذكرى إعلان تطويب الأخ اسطفان نعمه مسيرة بحجم وطن، تجمّعت فيها بلدات وعائلات وأجيال في مشهد روحي مؤثر. لكن ما لفت نظري على جانب الطريق كان أبلغ من أي خطبة: أرصفة أنبت فيها العشب، وغزاها الشوك، وأصبحت بلا فائدة، ما اضطر المشاركين إلى السير على حافة الطريق لا على الرصيف. هذه الأرصفة تتبع بلديات قائمة، لها مجالس منتخبة حديثاً.

فأين ذهبت الطاقة؟

هنا بالضبط يكمن الدور التطبيقي لمادة التربية المدنية: يوم تطوعي واحد كل فصل، تخرج فيه مدرسة كاملة بمعاولها ومقصّاتها لتنظيف أرصفة قريتها لا كعقوبة، بل كفخر. الطالب الذي نظّف رصيف ضيعته بيده لن ينسى أن تلك الضيعة تعنيه.

ومثلٌ آخر بالقدر ذاته من الإيلام: المشهد المتكرر في قرانا الجبلية في موسم التفاح حبّات حمراء تتساقط من الشجر وتتعفّن على الأرض، لأن أصحاب البساتين إما هاجروا أو شاخوا أو عجزوا مادياً عن الاستثمار في القطف والتبريد والتسويق. بينما المؤسسات العسكرية اللبنانية وعشرات الجمعيات الخيرية تحتاج إلى الغذاء. الجمعيات الأهلية والكشاف والأندية الشبابية قادرة إن وُجّهت وتنظّمت على تنظيم أيام قطف جماعية تطوعية، توزَّع ثمارها على المؤسسات العسكرية والجمعيات المعنية بالمساعدات. الثمرة موجودة. اليد موجودة. المستفيد موجود. الغائب الوحيد هو التنظيم والإرادة.

هذه الساعات الميدانية تُحتسب في التقييم المدرسي وتُدوَّن في شهادة الطالب. الهدف ليس بناء متطوّعين فحسب بل بناء مواطنين يُدركون أن المجتمع لا يعمل بمعزل عنهم.

والنموذج موجود في العالم: في سنغافورة، برنامج "Community Involvement Programme" إلزامي منذ 1997. في ألمانيا، الـ"Freiwilliges Soziales Jahr" رسّخ ثقافة الخدمة في وجدان الشباب. لبنان ليس أقل من هذه الشعوب لكنه أقل تشريعاً.


ثانياً: إعادة الاعتبار للعمل اليدوي من وصمة اجتماعية إلى مسار مهني

ثمة أزمة صامتة تتفاقم في لبنان: الشاب اللبناني يحمل شهادة جامعية ويبحث عن فرصة عمل، بينما قطاعات واسعة كالبناء، والدهان، والتبليط، والحدادة، والنجارة، والتمديدات الصحية والكهربائية، وأعمال الألمنيوم والديكور، وحتى كثير من المهن الصناعية والحرفية، باتت تعتمد بشكل شبه كامل على اليد العاملة الأجنبية.

والمفارقة الأخطر، أنه حين تجد عاملاً لبنانياً في هذه القطاعات، يكون متوسط عمره غالباً فوق الخمسين عاماً، ما يعني أن الأجيال الشابة لم تعد تدخل هذه المهن، وأن الخبرات تتقدّم في العمر من دون من يخلفها.

هذه الورش والمهن ليست أعمالاً هامشية، بل من أكثر القطاعات ربحية واستمرارية، وتشكل عصباً أساسياً في الاقتصاد. لكنها تُترك اليوم تدريجياً خارج دائرة اهتمام الشباب اللبناني، إما بسبب النظرة الاجتماعية الخاطئة تجاه العمل المهني، أو بسبب غياب التأهيل والتدريب، أو لانعدام السياسات التي تحفّز الانخراط فيها.

الخطر لا يكمن فقط في البطالة، بل في خسارة لبنان لقطاع إنتاجي كامل، وفي تحوّل شبابنا إلى باحثين عن وظائف مكتبية محدودة، بينما السوق الحقيقي يحتاج إلى مهارات عملية ومهنية.

هذا ليس مصادفة. هذا نتاج عقود من تعليم يرفع قيمة الشهادة الجامعية ويُسقط قيمة الحرفة وهي مفارقة تزداد حدةً في عصر يُنهي فيه الذكاء الاصطناعي عدداً من الاختصاصات، بينما تبقى المهن اليدوية والحرفية بمنأى عن هذا الإلغاء وتُدرّ عائداً أوفر.

المقترح التشريعي الثاني:

إصلاح جذري في منظومة التعليم المهني والتقني على ثلاثة مسارات:

المسار الأول: إدراج وحدات تعريفية بالمهن الحرفية في المرحلة المتوسطة، تتضمن زيارات ميدانية لورش البناء والمصانع والمرافئ، لكسر الحاجز النفسي بين الطالب والعمل اليدوي.

المسار الثاني: رفع مستوى معاهد التعليم المهني ومنحها اعترافاً مؤسسياً مساوياً للجامعات في المباريات الرسمية والتوظيف الحكومي.

المسار الثالث: منح إعفاءات ضريبية للمؤسسات التي توظّف خريجي التعليم المهني اللبنانيين، وإنشاء صندوق وطني لدعم المشاريع الصغيرة في القطاعات الحرفية والزراعية والبحرية. ومثال على ذلك مشاريع الـ Micro Business التي أشرت إليها سابقاً كمصنع لبودرة عصير التفاح أو الفاكهة المجففة، يحوّل ما كان يتعفّن على الأرض إلى منتج يُصدَّر.

الكرامة لا ترتبط بنوع العمل بل بجودته وقيمته للمجتمع. هذه الجملة يجب أن تُقال في المدارس قبل أن تُكتب في القوانين.


ثالثاً: الخدمة المدنية لا إكراه، بل عقد اجتماعي حقيقي

موقفي من الخدمة المدنية الإجبارية واضح ومبني على مبدأ واحد: الإكراه بلا مقابل لا يبني وطناً بل يُنفّر منه.

المقترح التشريعي الثالث:

إنشاء منظومة "الخدمة المدنية الوطنية الاختيارية المُحفَّزة" على النحو الآتي:

بضعة أشهر من الخدمة في قطاعات تحتاجها الدولة فعلاً: الدفاع المدني، الإسعاف، الحراجة وإطفاء الحرائق، الصحة الريفية، التعليم في المناطق النائية، الحفاظ على التراث العمراني والبيئي، والخدمات البحرية والساحلية.

الحوافز وهي جوهر المشروع:

منحة مالية شهرية لا تقل عن الحد الأدنى للأجور. نقاط امتياز في مباريات التوظيف الحكومي. شهادة معتمدة تُعادل سنة خبرة في السيرة الذاتية. أولوية في القروض السكنية والمنح الدراسية. وإمكانية التمديد بمسار تخصصي يُفضي إلى توظيف دائم.

لماذا لا نجعلها إجبارية كلياً؟ لأن لبنان لا يملك اليوم بنية دولة قادرة على إدارة خدمة إجبارية بعدالة وكفاءة. الإجبار في غياب العدالة يُولّد استياءً لا انتماءً. الحوافز الحقيقية تُولّد اختياراً واعياً وهو أكثر قيمةً وأطول أثراً.


رابعاً: الإنجاب حين تكون السياسات خارج الواقع

لا بدّ هنا من ملاحظة طريفة في مبناها، مؤلمة في معناها.

بعض المدارس الخاصة تمنح خصماً على القسط المدرسي اعتباراً من الولد الرابع. المبادرة في نيّتها جيدة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بمرارة: من يستطيع اليوم في لبنان أن يُنجب أربعة أولاد أصلاً؟

في ظل الأقساط المضاعفة والأزمة الاقتصادية الخانقة، الأسرة اللبنانية باتت تُحاسب نفسها على الولد الثاني قبل الثالث. هذا الخصم، في صيغته الحالية، هو امتياز افتراضي لعائلات لم تعد موجودة بهذا الحجم. المطلوب من المدارس الخاصة مراجعة هذه المنظومة جدياً: الخصم يجب أن يبدأ من الولد الثاني أو الثالث على أبعد تقدير وإلا بقي لزوم ما لا يلزم.

والمؤسف أن بعض المعنيين بهذا الملف يعملون على قاعدة:

"معنويات قد ما بدك، بس أوعا تقرب عالجيبة."

نحو مشروع قانون

المقترحات المطروحة أعلاه ليست أفكاراً عائمة في الهواء، بل أُطر قابلة للترجمة إلى مواد قانونية واضحة:

مشروع قانون أول: تعديل المرسوم رقم 10227 لسنة 1997 المتعلق بالهيكلية الجديدة للتعليم في لبنان، لإلزام المركز التربوي للبحوث والإنماء بإدراج التربية المدنية الميدانية مادةً مستقلة إلزامية في مناهج مرحلتَي التعليم الأساسي والثانوي، مع تخصيص ساعات تطبيق ميداني محددة وقابلة للتقييم.

مشروع قانون ثانٍ: تطوير القانون رقم 255 لسنة 2022 القاضي باعتماد مواد التعليم المهني في مناهج التعليم العام، ليشمل معادلة الشهادة التقنية بمثيلتها الأكاديمية في مباريات التوظيف الحكومي، ورفع مكانتها في سلم الاعتراف المؤسسي.

مشروع قانون ثالث: إنشاء "هيئة الخدمة المدنية الوطنية" بموجب قانون خاص، تتولى إدارة برنامج الخدمة المحفَّزة وصندوق تمويله وإصدار شهادات الخدمة المعتمدة.

هذه المشاريع جاهزة للنقاش في اللجان البرلمانية المختصة. المطلوب إرادة سياسية وشجاعة تشريعية.


لبنان لا يحتاج شباباً مُكرَهين بل شباباً مُقتَنِعين

الدرس الأول الذي تعلمناه من استقبال المقال السابق هو أن المجتمع اللبناني يريد أن يسمع الحقيقة، وهو قادر على استيعابها والتفاعل معها. رجال الدين والمجتمع المدني كلهم يُدركون أن ما يحدث في قرانا الجبلية ليس ظاهرة عابرة، بل معضلة وجودية تستدعي استجابة وجودية.

التربية المدنية في المدارس تبني جيلاً يعرف لماذا يبقى. تأهيل العمل اليدوي يمنحه ما يعيش منه. والخدمة المدنية المُحفَّزة تُعطيه تجربة تُعمّق انتماءه قبل أن يتخذ قرار السفر.

الكلام مجاني. الإنجاب له كلفة. والبقاء له ثمن. والفارق بين من يدفع ومن يخطب هو ما يُحدّد في النهاية مصير هذه المنطقة.

"وشو نفع الرعية بلا رعايا."

هذه ليست حلولاً سحرية. لكنها البداية الوحيدة الممكنة: أن نُعلّم أجيالنا أن الوطن لا يُحَبّ بالخطب بل يُبنى بالأيدي.