جاد الاخوي

حين يلتقي التطرفان: كيف يجمع رفض السلام بين محمد رعد وإيتمار بن غفير؟

5 دقائق للقراءة

في السياسة، ليست المفارقات مجرد صدف، بل غالباً ما تكشف حقيقة الصراعات. فالتاريخ مليء بأمثلة عن خصوم يرفعون رايات متناقضة لكنهم يلتقون عند هدف واحد: إسقاط أي تسوية تهدد مشاريعهم. وهذا ما بدا واضحاً عقب الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، حيث ارتفعت أصوات الرفض في بيروت والقدس في آن واحد. رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد وصف الاتفاق بأنه تزوير للوقائع وخضوع للوصاية الأميركية وتواطؤ مع إسرائيل، فيما خرج وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ليعتبر الاتفاق “خطأً فادحاً” وطالب بمنع إقراره داخل الحكومة الإسرائيلية.

قد تبدو المفارقة للوهلة الأولى غريبة. كيف يمكن أن يجتمع مسؤول في حزب الله مع أكثر السياسيين الإسرائيليين تطرفاً على رفض الاتفاق نفسه؟ الإجابة بسيطة: لأن التطرف، مهما اختلفت شعاراته، يرفض الاعتدال، ويرى في أي تسوية تهديداً لمشروعه السياسي.

من الخطأ الادعاء بأن الطرفين متفقان سياسياً، فالفارق العقائدي بينهما هائل، ولا يجمعهما أي مشروع أو رؤية مشتركة. لكن السياسة لا تُقاس بالشعارات فقط، بل أيضاً بالنتائج. والنتيجة هنا أن الطرفين يريدان إسقاط الاتفاق، وإن كانت دوافع كل منهما مختلفة. رعد يرى أن أي تفاهم مع إسرائيل يمثل تنازلاً عن مشروع “المقاومة”، بينما يعتبر بن غفير أن أي تفاهم مع لبنان يمنح الدولة اللبنانية شرعية أو يفرض على إسرائيل قيوداً لا يقبل بها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلاهما ينتمي إلى مدرسة سياسية تعيش على استمرار الصراع. بالنسبة لحزب الله، يشكل الصراع مع إسرائيل الأساس الذي بُنيت عليه شرعية السلاح خارج الدولة، وأي انتقال نحو الاستقرار يطرح تلقائياً سؤالاً وجودياً حول مبررات استمرار هذه المنظومة. أما بن غفير، فهو أحد أبرز وجوه اليمين القومي المتشدد في إسرائيل، ويؤمن بسياسة القوة المطلقة ويرفض أي تسويات يعتبرها تنازلاً.

وعندما يصبح السلام خطراً على المشاريع الأيديولوجية، يتحول رفضه إلى نقطة التقاء موضوعية بين المتطرفين.

هذه ليست ظاهرة جديدة. ففي تجارب عديدة حول العالم، كثيراً ما اجتمع المتشددون على إفشال التسويات، رغم أنهم يقفون على طرفي نقيض. لأن التسوية تعني الاعتراف بالآخر، وتعني حلولاً وسط، بينما يقوم الفكر المتطرف على فكرة الانتصار الكامل أو الهزيمة الكاملة، ولا يعترف بالحلول الرمادية.

المشكلة أن الشعوب هي التي تدفع الثمن. ففي لبنان، لم ينتج استمرار الصراع إلا انهياراً اقتصادياً، وهجرة للشباب، وتراجعاً في الاستثمار، وتآكلاً في مؤسسات الدولة. وفي إسرائيل أيضاً، لم تنتج سياسات اليمين المتشدد سوى مزيد من العزلة والانقسام الداخلي واستمرار دوامة العنف.

إن أخطر ما في خطاب محمد رعد و"جوقة الممانعة" أنه لا يناقشون مضمون الاتفاق بقدر ما يهاجمون مجرد فكرة التوصل إلى اتفاق. فهم يصوّرون أي خطوة دبلوماسية على أنها استسلام، متجاهلين أن الدول تقاس بقدرتها على حماية مصالحها عبر السياسة كما عبر القوة. وفي المقابل، يستخدم بن غفير والمتطرفين الاسرائيليين اللغة نفسها ولكن من الاتجاه المعاكس، معتبرين أن أي تفاهم هو ضعف إسرائيلي يجب رفضه.

اللغة مختلفة، لكن المنهج واحد: رفض الوسطية، ورفض التسوية، ورفض الاعتراف بأن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالحروب المفتوحة وحدها.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن المعتدلين على الجانبين غالباً ما يدفعون الثمن السياسي، بينما يزداد نفوذ المتشددين كلما ارتفع منسوب الخوف. ولذلك، فإن استمرار التوتر يخدم مصالح القوى الراديكالية أكثر مما يخدم مصالح الدول أو الشعوب.

في لبنان، أصبح من الضروري التمييز بين الدفاع عن السيادة وبين تحويل الصراع إلى غاية بحد ذاته. فالدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على إنتاج الحروب، بل بقدرتها على منعها، وعلى استعادة قرارها السيادي، وبناء مؤسساتها، وجذب الاستثمارات، وتأمين مستقبل مواطنيها.

أما في إسرائيل، فإن اليمين المتطرف لا يخفي رفضه لأي مسار يفرض على الدولة التزامات أو قيوداً قانونية أو سياسية، لأنه يرى أن القوة العسكرية وحدها كافية لحسم الصراعات. وهي رؤية أثبتت التجربة أنها لا تنتج استقراراً دائماً.

من هنا، فإن المشهد الأخير يحمل دلالة سياسية عميقة. فحين تجد محمد رعد وإيتمار بن غفير على الضفة نفسها في رفض الاتفاق، فهذا لا يعني أنهما أصبحا حليفين، بل يعني أن التطرف، مهما اختلفت راياته، يرفض المنطق نفسه: منطق الدولة، ومنطق التسوية، ومنطق تغليب مصلحة الشعوب على المشاريع العقائدية.

التاريخ يعلمنا أن السلام لا يصنعه المتطرفون، بل يصنعه أولئك الذين يملكون شجاعة كسر الحلقة المفرغة. أما الذين يقتاتون على الحروب، فلا يرون في أي اتفاق سوى تهديد لنفوذهم، لأن وجودهم السياسي يرتبط ببقاء الصراع مشتعلاً.

قد تختلف الشعارات بين بيروت والقدس، وقد تتباين المبررات واللغة، لكن عندما يصبح الهدف العملي واحداً، وهو إفشال أي فرصة لخفض التوتر وإعادة الاعتبار للدولة والسياسة، فإن التاريخ يضع الجميع في خانة واحدة: خانة الذين يخشون السلام أكثر مما يخشون الحرب.