الدكتور عماد إدوار مراد

انهزم المشروع الإيراني وسينتصـر لبنان

5 دقائق للقراءة
طوال حربي إسناد غزة وإيران لم يستطع "حزب الله" الدفاع عن أرض الجنوب (رويترز)

لا شك في أن حرب إسناد إيران أو حرب الانتقام لوليّ الفقيه التي بدأت في 2 آذار 2026 هي امتداد لحرب إسناد غزة ومكمّلة لها؛ فالطرفان المتحاربان هما نفسهما، والمجال الجغرافي نفسه، والأهداف العقائدية عند الطرفين بإلغاء الآخر هي نفسها، والمبادر إلى الحرب هو نفسه. أضف إلى ذلك أن حرب إسناد غزة لم تتوقف منذ 8 تشرين الأول 2023 حتى يوم إعلان وقف إطلاق النار في 27 أيلول 2024، إذ استمرت بين الطرفين؛ فإسرائيل تابعت اعتداءاتها واغتيالاتها، و «حزب الله» استمر في إعادة ترميم نفسه عبر حفر الخنادق وتوسيع المخازن والانتشار المسلّح في جنوب الليطاني.

من الناحية الميدانية والعملية، مُني «حزب الله» بهزائم وانكسارات متكررة؛ فقد خرج من حرب الإسناد الأولى مهزومًا، ومحبطًا وضعيفًا بعد تفجيرات «البايجر»ومقتل قائده التاريخي السيد حسن نصر الله وخليفته السيد هاشم صفي الدين، بالإضافة إلى تصفية القادة العسكريين من الصفين الأول والثاني الذين كانوا يملكون القرار العسكري والميداني، والمسؤولين عن التسلّح والعمليات الاستخباراتية والاغتيالات داخل لبنان وخارجه. واليوم، بعد انتهاء حرب الإسناد الثانية، يمكن اعتبار «حزب الله» مهزومًا ومكسورًا وفقًا للوقائع التالية:

من الناحية الميدانية، طوال حربي إسناد غزة وإيران لم يستطع «حزب الله» الدفاع عن أرض الجنوب، ولا عن الحدود، ولا عن القرى، ولا عن الأهالي... فمنذ إعلان الجيش الإسرائيلي الحرب البرية في الأول من تشرين الأول 2024 حتى اليوم، احتل الجيش الإسرائيلي قرى ومناطق وجبالا ووديانًا وصلت مساحتها إلى حوالى ألف كيلومتر مربع، أي عشرة في المئة من مساحة لبنان. وأكثر من ذلك، فقد احتل الجيش الإسرائيلي معاقل عسكرية أساسية لـ «حزب الله» في الخيام وبنت جبيل وقلعة الخيام وعلي الطاهر. إذًا، سقطت مقولة إن «حزب الله» باستطاعته الدفاع عن الأرض وقدرته على تحرير فلسطين وطرد الإسرائيليين باعتبار إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت كما كان يردّد السيد حسن نصرالله مرارًا. وقد اعترف بذلك علنًا الشيخ نعيم قاسم منذ أيام قليلة حين قال إنه لا يمكن الانتصار على إسرائيل بسبب فارق القوة والتطوّر العسكري والقدرات الهائلة لدى العدو، وكأنه يقول علنًا إن «الحزب» انكسر وإن مشروعه العسكري بوجه إسرائيل قد انتهى. فهل قصد الشيخ نعيم أن ما قيل أيام السيد حسن كان كذبًا وافتراءً وتضليلا؟

من الناحية السياسية، بسبب حربي الإسناد سقط «حزب الله» سياسيًا وتراجع دوره الفاعل في الحياة السياسية في لبنان. فبعد أن كان يسيطر على مفاصل الدولة اللبنانية طوال 18 عامًا، على الوزارات والقضاء والأمن والحكومة والمجلس النيابي وحتى على الرئاسة، وبعد أن كان يسيطر على الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ويعتمد على المال الوفير في ذلك، وبعد أن كانت لديه القدرة على التحكّم بمرافق الدولة الكبرى مثل مراكز الحدود والمعابر والمطار والمرفأ ويجذب إليه جماعات طائفية متنوعة وأحزابًا سياسية وشخصيات نافذة من جميع الطوائف والمذاهب تعمل تحت مظلته، وبعد أن أصبحت الدولة اللبنانية تحت سلطته كما أكد ذلك قاسم سليماني يومًا، جاءت حربا الإسناد ليفقد «حزب الله» السيطرة على الحكم في لبنان، فأصبح خارج السلطة الفعلية التي كان يمتلكها داخل الدولة، ما يعني أنه هُزم وانكسر. والدليل على ذلك أيضًا المواقف التي تتخذها الأحزاب والشخصيات التي كانت مقرّبة منه طوال 18 عامًا، وبشكل خاص عند بعض المسيحيين والسنة الذين كانوا يرفعون لواء الدفاع عن سلاح «حزب الله» بحجج واهية ويخضعون لإملاءاته.

لقد خسر «الحزب» معظم حلفائه المسيحيين والمسلمين جرّاء حربي إسناد غزة وإيران، وهذه خسارة كبيرة جدًا له. فلا شك في أن التيار الوطني الحر أعطاه غطاء مسيحيًا بعد العام 2006 ومهّد له التغلغل في المناطق المسيحية. من جهة أخرى، أصبح التمايز واضحًا بين الثنائي الشيعي ومواقف الرئيس نبيه بري أحيانًا، أكبر دليل على ذلك مع مراعاة الوحدة داخل البيئة الشيعية ومنع الانقسام كما حصل أواخر الثمانينيات. مع التنويه أيضًا بموقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الداعم للدولة اللبنانية ومواقفها ودورها الدبلوماسي. كما فقد «الحزب» ورقة وزارة الخارجية وهي ورقة أساسية في مشروعه، حيث كان وزير الخارجية طوال عقدين من الزمن وزير خارجية «حزب الله» يدافع عن سلاحه باعتباره سلاحًا شرعيًا، وكذلك السفراء اللبنانيون في عواصم القرار. وأكبر دليل على هذه الخسارة، خطاب الوزير جو رجي السيادي ودور السفيرة ندى معوض الريادي في محادثات واشنطن التاريخية التي تُعتبر خسارة مدوية في حربي «الحزب».

وأخيرًا، على الصعيد الاجتماعي، ارتكز وجود «الحزب» في المجتمع اللبناني على مجموعة من الأكاذيب والأخطاء الشائعة، استطاع من خلالها تقريب عدد كبير من الأحزاب والمموّلين والشخصيات النافذة إليه. وأصبح هؤلاء، وبخاصة غير الشيعة، يعتمدون على هذه الأكاذيب والأخطاء الشائعة لتبرير تحالفهم مع «الحزب». فعلى سبيل المثال، كان يصرّ حلفاء «الحزب» على أنه حزب لبناني وهدفه الأول المقاومة والدفاع عن لبنان، وبخاصة عن الجنوب، بينما «حزب الله» نفسه يؤكد أنه يتبع سياسيًا وماليًا وعقائديًا ودينيًا لوليّ الفقيه في إيران ويأتمر به. كما كان هؤلاء يبرّرون دائمًا تصرفاته الأمنية والمالية من اغتيالات وأعمال غير شرعية بأكاذيب واهية لنيل رضاه ودعمه للوصول إلى مآرب شخصية. لقد سقطت ورقة التوت في المجتمع المسيحي حتى أصبحت نسبة كبيرة جدًا منه تعتبر سلاح «حزب الله» غير شرعي.

بعد الحرب الأخيرة تأكّد المؤكّد، وبشكل خاص عند الحلفاء، أن «حزب الله» هو فصيل إيراني يأتمر بإيران. والدليل التزامه بما قررته إيران مع الولايات المتحدة الأميركية ورفضه لما اتفق عليه لبنان وإسرائيل، ليس اعتراضًا على اللقاءات مع إسرائيل وحسب، بل لأنه لا يعترف بالسلطة اللبنانية ولا بالدستور اللبناني ولا بالقوى الأمنية اللبنانية.

خلاصة القول: انهزم المشروع الإيراني في لبنان وانكسر مشروع ولاية الفقيه، وسينتصر لبنان كما علّمنا التاريخ دومًا.