ناديا غصوب

الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي: تسوية قابلة للحياة أم هدنة موقتة؟

4 دقائق للقراءة
ستُقاس قيمة الاتفاق بقدرة الضامن الأميركي على تنفيذه ومنع أي انتكاسة

لم يعد الحديث يدور حول إمكان توقيع الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي، بل حول قدرته على الصمود وتحويل ما كُتب على الورق إلى واقع ميداني. فالوثيقة التي وُقّعت برعاية الولايات المتحدة لا تُعدّ معاهدة سلام، بل تشكّل إطارًا سياسيًا وأمنيًا يهدف إلى تثبيت وقف الأعمال العدائية، وضبط الحدود، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة عبر تنفيذ متبادل ومتدرّج لالتزامات أمنية وسياسية قد تمهّد لاحقًا لتسويات أوسع.

وتنصّ بنود الاتفاق على انسحابات إسرائيلية مرحلية من المناطق التي سيطرت عليها خلال الحرب الأخيرة، مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني وتفعيل آليات المراقبة، مع استمرار المفاوضات برعاية أميركية لمعالجة الملفات العالقة. وفي هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن المرحلة الأولى من التنفيذ ستبدأ بانسحاب تجريبي من منطقتين: بلدة زوطر الغربية شمال نهر الليطاني، وبلدة فرون جنوب الليطاني، على أن يتولى الجيش اللبناني الانتشار فيهما بعد الانسحاب الإسرائيلي. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها أول اختبار ميداني لآلية تنفيذ الاتفاق ومدى التزام الأطراف ببنوده، قبل الانتقال إلى مراحل أوسع من الانسحاب. غير أن هذا الانسحاب يبقى خطوة تجريبية قد تمهّد لاستكمال التنفيذ أو تتحول إلى كسبٍ للوقت، خصوصًا إذا فرضت التطورات السياسية داخل إسرائيل، بما فيها احتمال إجراء انتخابات مبكرة، أولويات جديدة على الحكومة. إلا أن التوقيع، على أهميته، لا يعني أن الطريق أصبح سالكًا، بل إن الاختبار الحقيقي يبدأ مع التنفيذ، حيث ستُقاس قيمة الاتفاق بمدى التزام الأطراف بتعهداتها، وقدرة الضامن الأميركي على مواكبة التنفيذ ومنع أي انتكاسة.

فالملفات التي لم تُحسم لا تزال أكثر من تلك التي أُنجزت. فآليات الرقابة، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، ومستقبل النقاط الحدودية المتنازع عليها، وضمانات منع التصعيد، كلها استحقاقات ستحدد مصير الاتفاق. كما أن نجاح الدولة اللبنانية في بسط سلطتها وتعزيز حضور الجيش في الجنوب سيبقى عنصرًا أساسيًّا لترسيخ أي استقرار، بالتوازي مع إدارة التداعيات السياسية والأمنية الداخلية التي قد تفرضها المرحلة الجديدة.

في المقابل، ترى إسرائيل في الاتفاق فرصة لإبعاد خطر المواجهة عن جبهتها الشمالية، مع احتفاظها بهامش للتحرك إذا اعتبرت أن أمنها مهدّد. أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى تحويل هذا التفاهم إلى نموذج لخفض التوتر في المنطقة وربطه بمسار إقليمي أوسع، خصوصًا بعد التفاهمات الأميركية - الإيرانية التي أعادت رسم جزء من المشهد الإقليمي.

غير أن الداخل اللبناني لا يبدو موحّدًا خلف الاتفاق. فقد أعلن الأمين العام لـ"حزب الله"، الشيخ نعيم قاسم، رفضه الكامل له، معتبرًا أنه لا يُلزم "الحزب" ولا يمنحه أي شرعية، ووصفه بأنه "مذلّة وعار" و"منعدم الوجود". كما أكد أن أي محاولة لربط تنفيذ الاتفاق أو الانسحاب الإسرائيلي بملف سلاح المقاومة تمثّل "خطًا أحمر"، مشدّدًا على أن الأولوية يجب أن تكون للانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، من دون أي شروط تتعلق بسلاح "الحزب". ويعكس هذا الموقف حجم التحدي الذي سيواجه التنفيذ، إذ لن يرتبط نجاح الاتفاق فقط بالتفاهم بين لبنان وإسرائيل، بل أيضًا بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة التباينات الداخلية، والتوفيق بين التزاماتها الدولية والواقع السياسي والأمني الداخلي.

وفي المقابل، يبقى الموقف الإسرائيلي عاملا حاسمًا. فإذا رأت تل أبيب أن تنفيذ الاتفاق لا يحقق أهدافها الأمنية، أو أنه يمنح خصومها هامشًا لإعادة تنظيم قدراتهم، فقد تلجأ إلى ضغوط سياسية أو عمليات عسكرية محدودة لاختبار حدود الاتفاق أو فرض وقائع جديدة، بما يعيد التوتر إلى الواجهة ويضع التفاهم أمام أول اختبار فعلي.

وتؤكد التجارب السابقة أن الاتفاقات لا تنجح بمجرد توقيعها، بل بقدرتها على الصمود أمام أول حادث أمني أو خرق ميداني، وبمدى استعداد جميع الأطراف لاحتواء الأزمات ومنع تحوّلها إلى مواجهة شاملة.

لذلك، يبقى نجاح الاتفاق مرتبطًا بعوامل متشابكة: التزام إسرائيل بالانسحاب وتنفيذ تعهداتها، وقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها في الجنوب، واستمرار الدور الأميركي في متابعة التنفيذ ومعالجة أي خروقات، إضافة إلى وجود إرادة سياسية إقليمية ومحلية للحفاظ على الاستقرار. أما إذا بقيت الخلافات الداخلية والإقليمية على حالها، أو تحوّلت أي حادثة ميدانية إلى شرارة جديدة، فقد يبقى الاتفاق إطارًا سياسيًا هشًا أكثر منه تسوية نهائية قابلة للحياة، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة عنوانها إدارة التوتر بدلا من إنهائه.