هناك صفحة من تاريخ بلاد البترون الحديث غير معروفة بعد، تجاوز عمرها 55 عامًا: لم يكتب عنها أحد، ومعظم أبطالها رحلوا، ومن ما زال منهم على قيد الحياة أصبح في خريف العمر، وكل ما ما زال متداولًا عنها بعض الأحاديث المتناقلة المتفرقة.
كيف وصلت أولى شحنات الأسلحة إلى شباب "الكتائب" في منطقة البترون؟
لا أدّعي أنني استطعت الإحاطة بكل جوانب هذه القضية، رغم أنني بدأت بحثي قبل سنوات، فمَن بقي من أبطال تلك المرحلة على قيد الحياة إما ما عادت تسعفه ذاكرته، أو يلتزم الصمت، ومن الصعب الحصول منه على المعلومات المطلوبة. لذلك قد تكون روايتي ناقصة وفيها بعض الأخطاء، فمن المهم تصحيحها وإضافة أي معلومة مفيدة.
من المعروف أنه اعتبارًا من أواخر ستينيات القرن المنصرم، باشر حزب "الكتائب اللبنانية" شراء السلاح وتدريب عناصره تحسبًا للأيام القادمة، وازدادت وتيرة التسلّح والتدريب بعد الاجتماع الذي عقده رئيس الجمهورية سليمان فرنجية مع الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل في أيار 1973، إثر تعذّر حسم المعارك مع المنظمات الفلسطينية. ويومها أطلق الرئيس فرنجية عبارته المعروفة: لم يعد هناك جيش نعتمد عليه، وعلينا الاعتماد على أنفسنا. وفي هذا الاجتماع، تقرر فتح مخيمات التدريب في الجبال.
لم تشذّ منطقة البترون، فسعى إقليم البترون الكتائبي إلى شراء مختلف أنواع الأسلحة، واعتبارًا من مطلع تموز 1973، افتُتح مخيم التدريب في دير مار يوحنا مارون في كفرحي، بقيادة الشيف نعوم موسى من كور.
تتابعت دورات التدريب، وافتُتح أكثر من مخيم للتدريب: في الوادي الفاصل ما بين بلدتي دريا وشبطين، وفي بلدة العلالي في وسط البترون، وفي دير بصا في كفور العربي في جرد البترون. وكانت الرماية تحصل في جرد تنورين، وأُرسلت مجموعات إلى طبرية.
عند اندلاع الحرب في نيسان 1975، كان ما بين 800 و1000 شاب من منطقة البترون قد أنهوا دوراتهم العسكرية وأصبحوا جاهزين لدعم الجبهات. وعصر الأحد 13 نيسان 1975، توجهت أول مجموعة من كتائب البترون، قوامها 100 مقاتل، إلى بيروت للدفاع عن البيت المركزي الكتائبي والشوارع المحيطة.
بالعودة إلى موضوع شراء السلاح: من أولى وأهم الصفقات التي عُقدت وقتها كانت يوم زار الإمام السيد موسى الصدر القرى الشيعية في البترون، في ربيع 1971، حيث أقام على شرفه الشيخ محمد حمادة مأدبة غداء في بلدته داعل، عند مدخل جرد البترون، شارك فيها العشرات من وجهاء منطقة البترون.
ماذا جرى يومها؟
خلال مأدبة الغداء تلك، صودف أن التقى المسؤول الكتائبي أنيس النخل، وهو من بيت شلالا، بصديق من اليمونة كان قد وصل مع الإمام موسى الصدر، فجلسا جنبًا إلى جنب. وجلس إلى جانب ابن اليمونة شاب من بعلبك وصل أيضًا مع الإمام الصدر.
خلال الغداء، سمع أنيس النخل بعض الكلمات المتقطعة بين ابن اليمونة والشاب البعلبكي عن شراء سلاح وذخائر، فتحرك فضوله، وسأل صديقه الجالس إلى جانبه إن كان البعلبكي تاجر سلاح.
رد عليه بالإيجاب.
نهض أنيس النخل وتحادث مع بعض المسؤولين الكتائبيين الموجودين في الغداء: أنيس حرب، والبار عنداري، وميشال مخلوف، وحنا سليمان، ويوسف راجي، وجورج راجي، وجورج أبي سلوم، وغريب منعم، وغيرهم، وأخبرهم أن هناك شخصًا من بعلبك يستطيع تأمين قطع سلاح.
سألوا عن الشاب البعلبكي، فقيل لهم إنه من آل حيدر، من عائلة شمعونية. ما عاد أحد يتذكر اسمه.
ارتاحوا، وبدأت المفاوضات بشكل شبه سري، فسأل البعلبكي عن حاجتهم.
رد يوسف راجي: نريد حتى 1000 قطعة سلاح إذا أمكن، والدفع نقدًا.
صرخ الشاب البعلبكي: معقول؟ تصورت 4 أو 5 قطع سلاح، حتى 10.
قال له يوسف راجي: قد نصل إلى أكثر من ألف قطعة.
سأل الشاب البعلبكي: ما قطع السلاح المطلوبة؟
رد مسؤولو الكتائب: أي سلاح خفيف مطلوب: كلاشنكوف، سيمينوف، سلافيا، كارابين، آر بي جي، داكتريوف، وذخائر. أي كمية نشتريها.
رد الشاب البعلبكي: سأكون صريحًا معكم. بعد أن فاجأتموني بالطلب، أستطيع أن أؤمن لكم ما تريدون والكمية التي تريدون، ولكن يلزمني بعض الوقت. أنا من ضمن مجموعة تتاجر بالسلاح، ونحن نشتري السلاح من المخيمات الفلسطينية ومن سوريا، وندخله إلى لبنان عن طريق التهريب.
السلاح الذي يصل إلى بعلبك من سوريا يمكن أن أسلّمه في اليمونة، والسلاح المشترى من المخيمات الفلسطينية أوصله إلى البترون.
بعد نقاش سريع، وافق مسؤولو الكتائب، لكنهم طلبوا بعض الوقت لإطلاع القيادة وأخذ موافقتها، وحتمًا ستوافق، لأنه لا يمكننا إنهاء موضوع بهذه الأهمية من دون موافقة القيادة الحزبية، خاصة أنه يجب تأمين مبلغ كبير من المال.
تم إطلاع الدكتور جورج سعادة ووليم حاوي، وبعد أخذ موافقتهما أصبح المطلوب تأمين المبلغ. وعن طريق أنيس النخل، الذي كانت لديه علاقة مع آل نصر من مزيارة، تواصل الدكتور جورج سعادة مع دياب نصر، صاحب بنك نصر، فوافق على إعطاء قرض بمبلغ 600 ألف ليرة من دون فائدة، وقّع عليه أنيس النخل وميشال مخلوف.
استُعمل من المبلغ 400 ألف ليرة، أُعيد نصفها، وتبرع دياب نصر بالمبلغ الباقي.
أصبح تأمين أماكن تخزين السلاح هدف مسؤولي الكتائب، فاقترح المحامي صلاح مطر إطلاع رئيس دير حوب، الأب ليباوس داغر، على الموضوع، وطلب دعمه لشراء السلاح وتخبئته في الدير كمرحلة أولى قبل توزيعه.
التقى الأستاذ صلاح مطر الأب داغر، وأخذ منه موافقة مبدئية، وعُقد لقاء آخر في دير حوب، أبلغ خلاله الأب داغر مسؤولي الكتائب بالدعم الكامل من قبل الرهبانية، وتأمين أي مكان لوضع السلاح.
بعد تأمين المبلغ، تسارعت المفاوضات، وكان موقف الكتائب: سيتوجه شباب من قبلنا إلى اليمونة، التي وقع الاختيار عليها لتسليم السلاح وفحصه، والدفع نقدًا أعلى جرد تنورين عندما تصل البغال.
موضوع مكان الدفع والكشف على قطع السلاح أخذ بعض النقاش، وفي النتيجة، وبعد تدخل ابن اليمونة، حُلّت الأمور، وتم الاتفاق المبدئي.
في الموعد المتفق عليه لتسلم أول 100 قطعة سلاح خفيف، توجه الرقيب في قوى الأمن الداخلي يوسف نجم، من إده، يرافقه اثنان أو ثلاثة من رتباء وجنود الجيش والدرك من أبناء منطقة البترون، إلى اليمونة، وفحصوا قطع السلاح والذخائر. ثم بدأ بعض رعاة الماعز من تنورين تحميل الصناديق على البغال، وانطلقوا باتجاه تنورين.
عند أعلى الجرد، تسلم ابن اليمونة من ميشال مخلوف كامل المبلغ المتفق عليه، وهبطت البغال إلى دير حوب، حيث أُنزلت الصناديق، ووضعت في الأقبية، وبعد أيام بوشر بتوزيعها.
بعد دير حوب، وضعت الأسلحة في دير مار يعقوب في بشتودار، في وسط البترون. لماذا كان هذا الانتقال؟
كان دير حوب يشهد في تلك الفترة حركة ناشطة، ويومًا وصلت صناديق لم يتمكنوا من إنزالها في الدير، فوضعت موقتًا في قبو منزل أنيس النخل في بيت شلالا. وعندما عرفت شقيقاته بالأمر، خفن خوفًا شديدًا، وألححن على شقيقهن لنقل الصناديق.
إلى أين ستُنقل الصناديق؟
اقترح البعض دير الآباء الكبوشيين في بلدة صورات أو دير مار يعقوب للرهبنة اللبنانية في بشتودار، فوقع الاختيار على دير بشتودار. لماذا اختير هذا الدير؟
هو بعيد بعض الشيء عن أعين الناس، على عكس دير صورات الموجود في وسط البلدة. ثم إن دير صورات هو دير صيفي، وأي وجود فيه في غير فصل الصيف سيلفت الانتباه، فيما يمكن الدخول إلى دير مار يعقوب دون لفت النظر، وهو دير زراعي يتردد إليه يوميًا عدة عمال من المنطقة.
لماذا كانت توضع الأسلحة في الأديرة؟
كان للأديرة حرمة، ومن الصعب جدًا الدخول إليها وتفتيشها، وفيها حركة على مدار الساعة، ووجود الشباب فيها، مهما كان عددهم، لا يلفت الانتباه، وكل الموجودين في الأديرة موضع ثقة.
بعد التواصل مع الأب الياس العنداري، من كفور العربي، بدأ نقل الصناديق، وتسريع عملية التسليم.
وصلت من اليمونة إلى وطى حوب وبشتودار عدة قوافل من البغال على مراحل، كما وصلت شحنات سلاح أخرى إلى مدينة البترون في سيارات بيك أب وفانات كانت قد انطلقت من بيروت والشمال، ووزعت في عدة أماكن، من بينها دير الآباء الكبوشيين، وأنطش الرهبنة اللبنانية، وبيت الكتائب، وفي كفرعبيدا وسلعاتا.
كانت هذه الأسلحة الخفيفة والذخائر مهمة جدًا، واستُعملت في مخيمات التدريب وعند انطلاق الحرب في ربيع 1975، قبل أن تصل دفعات أخرى كان المسؤول عن توزيعها نعوم موسى.
أجمع مسؤولو الكتائب الذين تحدثت معهم على أن الشاب البعلبكي كان صادقًا جدًا: لم يغدر بنا أبدًا، ونحن أعطيناه حقه وزيادة. كنا نريد السلاح بأي طريقة كانت، ووصل تعاملنا معه إلى حدود 3 ملايين ليرة، وقد يكون أكثر، تأمنت من قرض بنك نصر ومن تبرعات وصلتنا ومن ثمن القطع التي تم بيعها.
ألم تشعر الأجهزة الأمنية بما يحصل؟
يجزم أحد مسؤولي الكتائب أن عناصر مخفر درك دوما شعروا بحركة غريبة تجري ما بين جرد تنورين ودير حوب، فحركة البغال والسيارات كانت لافتة في ذاك الوقت، خاصة أن معظم التحركات كانت تحصل نهار الأحد، ولكن يبدو أنهم آثروا الصمت، وكان من بين عناصر المخفر أشخاص موثوقون من قبلنا.
أعود وأكرر: هذه معلومات وصلتني من مصادر عدة وفي أوقات زمنية متفرقة. قد تكون بحاجة إلى بعض الإضافة أو بعض التصحيح، وسأكمل بحثي علّنا نصل إلى رواية كاملة تضاف إلى روايات الحرب، فننشرها من أجل الأجيال القادمة، لتعرف حجم التضحيات التي قُدمت على مذبح هذا الوطن، ولنتعلم كلنا كي لا نقع في التجربة مرة أخرى.