"فرنسا لا تتغيّر إلا وظهرها الى الحائط"، حسب خبير فرنسي. ولبنان لا يذهب إلى أي إصلاح إلاّ والسكين على الرقبة. الحرب أخذتنا إلى اتفاق الطائف. الفراغ الرئاسي المحمي بالسلاح أخذنا إلى التسوية السياسية التي جاءت بالوضع الحالي. مؤتمر "سيدر" أجبرنا على ألعاب حسابية أوحت بخفض نسبة العجز في موازنة العام 2019. وحالياً هرولة لإنجاز مشاريع وخطط مالية واقتصادية في مهلة الأشهر الستة التي أجّلت خلالها شركة "ستاندرد إند بورز" خفض التصنيف الائتماني للبنان. بعدما خفضته "موديز" و "فيتش".
ولا بأس في أن تلتقي القيادات حول طاولة حوار اقتصادي بعد أقل من شهر على الاجتماع الذي أنتج "ورقة بعبدا الاقتصادية"، مع وعد بتنفيذها بعد شهر. وقبل ذلك حملنا الى "سيدر" خططاً ودراسات لمئات المشاريع الجاهزة للاستثمار. ودفعنا ثمن توصيات "ماكينزي" في دراسة مفصلة وطويلة. وما أكثر الخطط والمشاريع المقدّمة للكهرباء والنفايات وسواها منذ سنوات. فما الذي يعنيه تراكم الخطط والمشاريع والحوارات من دون أو بأقل قدر من التنفيذ؟
ثلاثة أمور: أولها أنّ النظام لا يعمل على طريقة الأنظمة الديموقراطية البرلمانية التي نحن منها دستورياً. وثانيها أننا نطبّق قول الرئيس ايزنهاور "إن الخطط عديمة الفائدة، لكن التخطيط ضروري". والثالث أننا، حتى حين نضطر للاعتراف بعمق الأزمة الاقتصادية والمالية، ننكر السبب الكبير للأزمة، وهو السياسة، وبالتالي نهرب من تحمّل المسؤوليات عنها على مدى عقود.
ذلك أنّ العامل المهم في الأزمات الاقتصادية في العالم هو سوء السياسات الاقتصادية. وما يعانيه لبنان منذ عقود هو المراوحة بين سوء السياسات الاقتصادية والمالية وبين غياب هذه السياسات، والإتكال على السياسة النقدية وحدها. وهي سياسة محكومة بأن تكون موقّتة لشهور، بحيث تضمن الاستقرار على السطح وتعطي فرصة لمعالجة الأزمات المالية والاقتصادية في العمق. أما حين تستمر سنوات وعقوداً فإنها تصبح خطرة وخطيرة ويصعب تصحيحها.
ولدينا، مع العامل السياسي المهم في الأزمات الاقتصادية، كل عناصر الأزمة البنيوية: دين عام بأرقام فلكية لا أحد يعرف متى يتوقف تصاعده، ركود اقتصادي بنسبة صفر نمو، عجز مثلث في ميزان المدفوعات والميزان التجاري والخزينة، صراع سياسي ومصالحات على حافة الهاوية، انخراط في حروب المحاور الإقليمية، وخوف فعلي من الاستثمار في بلد ليس قرار الحرب والسلم في يد مؤسساته الرسمية.
وليس أخطر من خفض التصنيف الائتماني سوى خفض "التصنيف السياسي" للبنان.