منذ توقيع اتفاقية القاهرة عام 1969، دخل لبنان مرحلة جديدة من تاريخه، حين سُمح للفصائل الفلسطينية، بقرار عربي وضغط مباشر من مصر، باستخدام الأراضي اللبنانية قاعدةً للعمل العسكري ضد إسرائيل. وبينما رفضت دول مجاورة، مثل الأردن وسوريا، أن تتحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة، وجد لبنان نفسه يحمل القضية الفلسطينية وتبعات حروبها وحيدًا، بينما وقف العرب جميعًا موقف المتفرج أو الناصح المتفلسف، مما أدى إلى أن يدفع شعبه ودولته الثمن الباهظ.
ومع تعثر المشروع العسكري الفلسطيني في تحقيق أي من أهدافه المعلنة المتعلقة بتحرير فلسطين، لم تنتهِ معاناة لبنان، بل أدخلت أحلام ياسر عرفات ومشروع الوطن البديل البلاد في مرحلة أكثر خطورة. فدخلت الفصائل الفلسطينية في صدامات مع الدولة اللبنانية وشرائح واسعة من المجتمع، وسعت، مدعومةً من بعض اللبنانيين والتيارات اليسارية، إلى فرض نفوذها على أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية، متجاوزةً سيادة الدولة وقوانينها. وهكذا تصدع الكيان اللبناني، ووجد اللبنانيون أنفسهم، بعد أن احتضنوا القضية الفلسطينية واستقبلوا اللاجئين وساندوا حقهم في العودة، يدفعون ثمن صراع لم يكن صراعهم.
لم تكن اتفاقية القاهرة مجرد ترتيب أمني، بل كانت نقطة التحول التي فتحت الباب أمام تصدع الكيان وتحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وبعد سنوات، انتقل لبنان، بفعل تصدع بنيته وأساساته، من مرحلة الحرب الفلسطينية – الإسرائيلية على أرضه إلى مرحلة جديدة، أصبح فيها اليوم جزءًا من مشروع إقليمي تقوده إيران عبر «حزب الله».
لم يكن الارتباط بين الدولة الإسلامية في إيران و«حزب الله» مجرد تحالف سياسي أو عسكري، بل ارتكز منذ البدايات على رؤية عقائدية عابرة للحدود. ففي ثمانينيات القرن الماضي، قال الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، السيد حسن نصر الله: «مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره، كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزءًا من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني».
يكشف هذا الإعلان الاستراتيجي بوضوح أن المشروع المطروح لم يكن يقتصر على إدارة الشأن اللبناني، بل كان ينظر إلى لبنان باعتباره جزءًا من مشروع إقليمي أوسع، تتقدم فيه المرجعية العقائدية والسياسية العابرة للحدود على مفهوم الدولة الوطنية المستقلة.
واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على اتفاقية القاهرة، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بأدوات مختلفة. فقد جاء تصريح عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، علي رضا سليمي، ليؤكد ما كان يرفض كثيرون الاعتراف به، عندما قال: «لبنان يُعد جزءًا من ساحة الصراع، ويشكل عمقًا استراتيجيًا لإيران»، مضيفًا: «إذا لم يقاتل حزب الله في بيروت، فسنضطر إلى مواجهة الجنود الإسرائيليين على حدود طهران وكرمانشاه وأماكن أخرى».
إن هذا التصريح لا يعبر عن تضامن مع لبنان، بل يمثل اعترافًا صريحًا بأن لبنان يُستخدم خط دفاع متقدمًا عن إيران، وأن الحرب على أرضه تُعد وسيلة لحماية الأمن القومي الإيراني وإبعاد المعركة عن أراضيها.
وهكذا، ومنذ عام 1969 وحتى اليوم، لم يتغير المشهد كثيرًا. تبدلت الجهات، لكن بقي لبنان هو الساحة، وبقي اللبنانيون هم الذين يدفعون الثمن. ففي الأمس كانت الحرب تُخاض باسم تحرير فلسطين، واليوم تُخاض باسم حماية المشروع الخميني الإيراني، وفي الحالتين بقيت الدولة اللبنانية غائبة عن قرار الحرب والسلم.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب التي تُخاض على أرض لبنان لم تُحرر فلسطين، ولم تبنِ لبنان، ولم تحقق سلامًا دائمًا للمنطقة، بل خلّفت آلاف الضحايا، ودمارًا اقتصاديًا، وهجرةً واسعة، وأضعفت مؤسسات الدولة.
لقد آن الأوان لأن يستخلص اللبنانيون الدرس الذي تأخر كثيرًا: لا يمكن للبنان أن يستعيد سيادته واستقراره إلا عندما يرفض أن يكون ساحةً لحروب الآخرين، ويتمسك بدولة واحدة تحتكر وحدها السلاح وقرار الحرب والسلام، لأن الأوطان لا تُبنى بالوكالة، ولا تُحمى إلا بإرادة أبنائها ودولتهم.