لم يكن الهجوم على اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل مفاجئًا، ولا كانت الحجج التي رافقته جديدة. فمنذ الإعلان عنه، عاد الخطاب نفسه الذي رافق كل محاولة لاستعادة الدولة اللبنانية: التحذير من "الفتنة"، والحديث عن استهداف شريحة من اللبنانيين، والتشكيك بشرعية السلطة في اتخاذ قرارات سيادية. وهو تعبير يترافق مع أي مشروع أو فرصة يعيدان إلى الدولة احتكار قرار الحرب والسلم منذ 42 سنة.
في الواقع، لا يمكن فهم هذا الخطاب من دون العودة إلى السادس من شباط 1984. ففي ذلك اليوم لم يسقط الجيش اللبناني عسكريًا فحسب، بل بدأت مرحلة سياسية جديدة قوامها إخضاع الدولة لمنطق الميليشيا. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد القرار السيادي يصدر حصرًا عن المؤسسات الدستورية، بل أصبح يحتاج دائمًا إلى موافقة قوة تمتلك السلاح خارج الشرعية.
لهذا السبب، ان اتفاق الإطار نقطة تحول حقيقية. فهو لا يقتصر على إنهاء المواجهة العسكرية في الجنوب أو تأمين عودة الأهالي إلى قراهم، بل يطرح للمرة الأولى منذ عقود مسارًا واضحًا يعيد الدولة اللبنانية إلى موقعها الطبيعي، باعتبارها السلطة الوحيدة المخولة الإمساك بالأمن والدفاع وتنفيذ القرارات الدولية على كامل أراضيها.
من هنا يمكن فهم حجم الاعتراض. فالمتضرر الحقيقي ليس طائفة أو مكوّنًا لبنانيًا، بل النموذج الذي نشأ بعد 6 شباط، والقائم على وجود سلطة موازية للدولة تمتلك حق النقض على القرارات الوطنية الكبرى.
المفارقة أن الذين يرفعون اليوم شعار "منع الفتنة" لم يعتبروا يومًا أن تعطيل تنفيذ اتفاق الطائف كاملا كان فتنة، ولا أن استثناء تنظيم مسلح من مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة كان فتنة، ولا أن احتكار قرار الحرب والسلم لعقود وإقحام لبنان في صراعات إقليمية دمّرت اقتصاده وهجّرت أبناءه كان فتنة.
لقد تحولت "الفتنة" إلى سلاح سياسي يُشهر كلما اقترب لبنان من استعادة مؤسساته. فالغاية لم تعد حماية السلم الأهلي، بل منع أي تغيير يمس منظومة قامت على ضعف الدولة واستمرارها رهينة ميزان القوى العسكري.
والأخطر أن هذا الأسلوب لم يعد يكتفي بالاعتراض السياسي، بل يسعى دائمًا إلى تصوير أي خطوة سيادية على أنها استهداف لفئة من اللبنانيين، فيما الحقيقة أن الدولة لا تميّز بين مواطنيها، وأن تطبيق الدستور والقانون على الجميع هو أساس الشراكة الوطنية، لا العكس.
لقد أثبتت العقود الأربعة الماضية أن غياب الدولة لم يحمِ لبنان، بل حوّله إلى ساحة مفتوحة للحروب والنفوذ الخارجي والانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية. وفي كل مرة حاول فيها اللبنانيون إعادة الاعتبار للمؤسسات، ارتفع منسوب التخويف والاتهامات نفسها.
السؤال المطروح اليوم لم يعد يتعلق باتفاق تقني أو تفاهم أمني، بل بمستقبل النظام اللبناني نفسه: هل يريد اللبنانيون دولة تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، أم استمرار النموذج الذي وُلد بعد السادس من شباط، حيث تبقى المؤسسات قائمة شكلا فيما القرار الحقيقي خارجها؟
إن حماية السلم الأهلي لا تتحقق بتعطيل الدولة، بل بتقويتها. والسيادة لا تُبنى بوجود جيشين أو قرارين، بل بمرجعية دستورية واحدة يخضع لها الجميع. أما تحويل كل استحقاق وطني إلى معركة بين "الدولة" و"الفتنة"، فلم يعد سوى محاولة لإطالة عمر نموذج استنفد مبرراته.