استفقنا صباح الأحد 28 حزيران 2026 على خبر حرق لوحة "لبنان أولا" على طريق مطار رفيق الحريري الدولي، في خطوة أراد من خلالها الحج الزج بشبيبة مغرر بها بشعارات براقة، يدرك الحج ومشغليه في خلية حبيب ومعسكر عمار انتهاء زمن صلاحيتها في 26/06/2026 حين تم تفسير وتوضيح بنود مذكرة تفاهم فرساي المبرمة في 17 حزيران 2026 والتي اتبعت بتفاهم سويسرا في 23 حزيران 2026.
بين التفاهم والإطار.
يخيل لك لأول وهلة أن ثمة تناقض بين اتفاق الإطار ومذكرة التفاهم، وقد جنح البعض في أعقاب "اتفاقية فرساي الرقمية" إلى التقوُّل أن إيران اخذت في المفاوضات ما لم تأخذه في الحرب، وان أحمد وحيدي تمكن من كسر "هيغتس" بــ"روبيو".
لنقرأ بهدوء ما تيسر لنا من أجزاء الــPuzzle المتاح لنا الاطلاع عليها، ولنتساءل ما القاسم المشترك بين مذكرة التفاهم واتفاق الاطار وما أوجه التنافر؟
يتطابق النصان في نقاط مركزية، مصطلحات وعبارات لها أبعاد جيوسياسية، وهي: السيادة اللبنانية، وقف الحرب، الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، ومنع التدخل في شؤون لبنان الداخلية، وهذا تتم ترجمته برعاية أميركية كانت القاسم المشترك في كل الاتفاقات والتفاهمات أي أن العم سام يمسك بيد حيرام المنبعث من رماد الإقليم، في مواجهة "أبناء الحي" البلطجية الزعران الذي يصممون جميعا على الاعتداء على منزل حيرام وتحطيم أشيائه.
فِعليا لا يوجد تناقض بين اتفاقية فرساي الرقمية وتفاهم سويسرا وإطار واشنطن، بل كلها نصوص تكاملية مارست فيها إدارة ترمب الغموض الاستراتيجي لدرجة اختلط فيها الأمر على اسرائيل فراحت تخبط خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم.
ما بين عمودي التفاهم والإطار هو ما بين عمودي القوة والإنشاء، حيث ترتسم حدود الوعي لزمن جديد زمن نداء سيدة مارالاغو "ليكن لبنان عظيمًا من جديد".
هانوي أو هونغ كونغ.
أي لبنان نريد؟ سؤال طرحه النائب السابق وليد جنبلاط في زمن آخر استشرف فيه ما نقبل عليه من أيام، ولأن القرار مقترن دائما بسن الرشد، فلا يمكن لقاصر أن يقرر. يقوم عادة الأوصياء على القاصر بتوقيع الاتفاقات نيابة عنه، كانت الجمهورية الثانية بنسخها الثلاث (الانتداب، الاستقلال والطائف) أنموذجا معدلا عن الجمهورية الأولى المنبثقة عن اقتراح مترنيخ في فيينا عام 1860، وهذا المفهوم التجزيئي الخاضع لتفاهمات الدول ونفوذ القناصل الغربيين لم يؤسس إلا لقصور سياسي وخضوع لإرادة الآخرين، ما يميز العام 2026 عن العام 1860 هو مصطلح الدولة اللبنانية فبالرغم من دبكة محمود قماطي ووفيق صفا، واحتفالية إسماعيل النجار بتفاهم سويسرا، تأكد بشكل قاطع أن هذا التفاهم قطع اليد الإيرانية عن التدخل في الشأن الداخلي اللبناني فتفاهم سويسرا حسم أن التفاوض والتنسيق يتم حصرا مع الدولة اللبنانية وليس مع حزب الله، ما أنهى مرة وإلى الأبد تفاهمات نيسان 1996.
نحن لم نعد نتحدث عن تفاوض عبر أقنية خلفية، ولا عن اتفاقيات في غرف مغلقة، بل الصياغة النصية في كل التفاهمات تتحدث عن الدولة اللبنانية بسلطاتها الشرعية، وهذا ما يقطع يد أي قوى إقليمية إسرائيلية كانت أم إيرانية أم تركية أو حتى باكستانية، عن التدخل في البيت اللبناني، وهذا ما أغاظ الحج في لوحة "لبنان أولا" فأرسل صبية مساكين ليستلهموا من ممارسة الفصائل السورية في حرق مقامات ومقدسات العقد الاجتماعي والتي كان أحدث جرائمها الاعتداء على مقام المقدس الشيخ ناصر الحكيم للطائفة العلوية في قرية العريضة في ريف حمص الغربي.
لم تفهم النخب اللبنانية بعد التحولات الكبرى في الإقليم، ولم تعِ ما دأبت الملكة العربية السعودية على التأكيد عليه، أن التعامل يكون حصرا عبر الاقنية الرسمية فصَبَت هذه النخب دائما إلى أقنية "أبو عمر" والسبب في ذلك إشكالية بنيوية في الوعي الجمعي اللبناني: الهروب من المشروعية وسلطان القانون، إلى التوافقية وسلطان الواسطة، فبين الواسطة والقانون يلجأ اللبناني عادة إلى الواسطة.
ولأن نخبنا ما تزال قاصرة، وما زلنا لم نبلغ السن الرمزية لإدارة الدول، قرر العم سام أن يمسك بيد الدولة اللبنانية كأي وصي يشرف على تصرفات قاصر مميّز في معاملاته التجارية، وهذا الاسناد الحقيقي جاء بعد أن برهنت السلطات الدستورية في لبنان عن وعي وإرادة لتحقيق مشيئة الشعب اللبناني بحياة مستقرة وهانئة.
الاختلاف في لبنان ليس على فحوى الاتفاقات والتفاهمات، وليس على ما جاء في اتفاق الإطار وليس بين مساري واشنطن وإسلام آباد كما يحب البعض أن يقول، إن الخلاف في لبنان اليوم هو من يوقع ومن يمسك بيد العم سام، ومن يقوم بإدارة التنسيق مع إسرائيل، الدولة أم الدويلة؟
كل هذا الصخب الذي تسمعون، يسقط أمام ما ترون، فما نرى هو تغير تام في آلية العمل وما تم تحقيقه في غزة يتم تحقيقه في لبنان، والاقليم متجه الى الاستقرار حيث لا وجود لنفوذ للإسلام السياسي ولا الإيديولوجيا الهدامة على الساحل الشرقي للمتوسط، هنا تسقط الدوغما، وما استقالة ستارمر وترجح فوز أندي بيرنهام في رئاسة حكومة المملكة المتحدة وما سيتبع ذلك من إلغاء مجلس اللوردات، مشفوعا بإفصاح تولسي غابارد عن أفعال وارتكابات الدكتور فاوتشي في ملف COVID-19 إلا بداية زمن آخر في الضفة الغربية من الخط السبعين.
ما يعنينا في لبنان، أن خلية حبيب قد لا تستطيع أن توازن في نسج معادلات بقائها وقد تخطئ في لحظة مفصلية في حساباتها ما سيعيد تفجير مضيق لوكربي، وهذا ما يعبر عنه التشنج المستجد مع فرنسا ومحاولة إيران تعطيل المسعى الفرنسي في تنظيف سواحل المسندم العمانية من الألغام البحرية الإيرانية؛ قد تصمد اتفاقية فرساي 60 يوما وقد لا تصمد وفي جميع الأحوال سيـتأثر سوق الطاقة في العالم، وهذا يوجب على الدولة اللبنانية أن تعيد إحياء أنبوب النفط العراقي وتوسعته بخط بري يمتد من الخليج الى مرفأ طرابلس، هذا الخط من الممكن استبدال أنابيبه، التي بناها الاستعمار وتسبب الفكر القومي باهترائها، بقوافل مُسيَّرة نفطية، ومن الممكن إيجاد حلول مؤقتة عبر ناقلات نفط ترسوا مكان "فاطمة غول سلطان" وشقيقاتها اللواتي استنزفن خزينة كهرباء لبنان نتيجة سوء الإدارة، فيتم استبدال سوء إدارة جبران باسيل برؤية ثاقبة تخطو فوق التحديات وتستفيد من التغيرات الإقليمية.
في العراق وقبيل وصول عباس عرقجي تم اعتقال عدد من الشخصيات المحسوبة على إيران، فتركوا لمصيرهم في مواجهة السلطات الدستورية العراقية، وهكذا سيكون الامر في لبنان مهما حرق الحج من لوحات، ومهما حاول إغلاق طرقات وتحطيم أملاك عامة وخاصة: فقطار المؤسسات الدستورية في المنطقة قد انطلق ولا جدوى من الوقوف في طريقه...