سريعًا انتقل المسار السياسي من كونه نقاشًا حول اتفاق دولي يرسم إطارًا عامًا للأمن والحدود، إلى ساحة اشتباك داخلي مفتوح على كل الاحتمالات، وكأنّ جوهر الاتفاق نفسه تراجع إلى الخلف، لصالح معركة القراءات المتناقضة التي باتت تتحكم بإيقاع النقاش الوطني، وتعيد إنتاج الانقسام اللبناني المزمن حول الدولة ووظيفتها وحدود سلطتها.
فبمعزل عن التفاصيل التقنية للاتفاق، سواء كان يمهّد فعلا لانسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب، أو يفتح مسارًا تفاوضيًا طويلا ومعقدًا حول ترتيبات الأمن والحدود والسلاح، فإنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في النص، بل في البيئة السياسية التي ستُفترض أن تنفذه، وهذه البيئة، حتى اللحظة، تبدو منقسمة إلى حدّ يجعل أي التزام تنفيذي محفوفًا بالهشاشة.
لقد بدا واضحًا أن ما سُمّي "اتفاق واشنطن" لم يتحول بعد إلى مشروع دولة جامع، بل بقي أسير تباينات داخلية حادة، انعكست سريعًا في مواقف قوى سياسية أساسية، لا سيما في محور "الممانعة" بمكوّناته المعروفة، حركة "أمل"، "حزب الله"، "التيار الوطني الحر"، و"المردة"، الذين أبدوا، بصيغ متفاوتة، اعتراضات مباشرة أو تحفظات عميقة على منطلقاته أو مآلاته أو طريقة مقاربته.
هذا الاعتراض، في جوهره، لا يتعلق فقط بتفاصيل تقنية أو صياغات قانونية، بل يمسّ جوهر السؤال اللبناني القديم الجديد، من يملك قرار الحرب والسلم، وكيف تُدار علاقة لبنان مع إسرائيل، وما هو تعريف "السيادة" في دولة تتعايش فيها سلطات متعددة المرجعيات؟
من هنا، يصبح الاتفاق، بدل أن يكون فرصة لتثبيت مفهوم الدولة، مادة إضافية في سوق الانقسام السياسي، حيث تُعاد كل قضية استراتيجية إلى مربع الاصطفاف الداخلي، بدل أن تُبنى حولها أرضية وطنية مشتركة.
ومع هذا الواقع، لم يعد بالإمكان التعامل مع الاتفاق كأنه مجرّد ورقة دولية قابلة للتنفيذ الإداري، فهو، في لحظة الحقيقة، اختبار لقدرة لبنان على إنتاج حدّ أدنى من الإجماع السياسي حول مفهوم الدولة نفسها، قبل أي حديث عن الحدود أو الانسحاب أو الترتيبات الأمنية.
فالسيادة، كما تُظهر التجربة اللبنانية، ليست إعلانًا يُكتب، ولا اتفاقًا يُوقّع، ولا انتشارًا عسكريًا يُنفّذ، السيادة هي معادلة داخلية مركّبة، تبدأ من احتكار قرار الحرب والسلم، ولا تنتهي عند توحيد مرجعية السلاح، مرورًا بقدرة الدولة على حماية حدودها من الخارج، ومنع تفككها من الداخل في آن واحد.
ومن دون هذه المعادلة، يتحول أي اتفاق، مهما كانت مرجعيته الدولية، إلى نصّ معلق في الهواء، قابل للتعطيل عند أول اهتزاز سياسي داخلي، أو عند أول اختبار ميداني يفرض نفسه على الأرض.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية اليوم أمام معادلة دقيقة وشديدة الحساسية، فهي مطالبة بإظهار جدية في الالتزام بالاتفاق من جهة، وبطمأنة بيئتها الداخلية من جهة أخرى، في ظل انقسام سياسي لا يخفى على أحد، وتفاوت عميق في مقاربة مفهوم "الأمن الوطني" بين القوى الأساسية.
وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية الأخطر، كيف يمكن لدولة منقسمة على تعريف التهديد نفسه أن تنفّذ التزامات أمنية كبرى من دون أن تهتز بنيتها الداخلية؟
الواقع أن التجربة اللبنانية السابقة مع الاتفاقات الدولية، من تفاهمات إلى قرارات أممية، تؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في النصوص، بل في الإرادة الداخلية التي يفترض أن تحوّل النص إلى سياسة، وفي هذا السياق، لا يبدو أن اتفاق واشنطن يشذّ عن القاعدة، بل يعيد إنتاجها بوضوح أكبر.
ففي حين يرى فيه فريق سياسي فرصة لإعادة تثبيت حضور الدولة وتعزيز دور الجيش، ينظر إليه فريق آخر بعين الريبة، معتبرًا أنه قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة التوازنات الأمنية بطريقة تمسّ ما يعتبره "قوة ردع" أساسية في مواجهة إسرائيل، وبين هذين المنظورين، تتسع الفجوة بدل أن تضيق.
لكن أخطر ما في المشهد ليس الاختلاف بحد ذاته، بل تحوّل هذا الاختلاف إلى ما يشبه "فيتو سياسي غير معلن" على إمكانية بناء إجماع وطني حول المسار الجديد، وهو ما يجعل أي تنفيذ فعلي للاتفاق مرتبطًا بسقف سياسي داخلي متحرك، لا بسقف قانوني أو دولي ثابت.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الاعتراضات المعلنة من قوى أساسية، وإن جاءت بصيغ سياسية مختلفة، تعكس في العمق خشية من إعادة إنتاج ميزان قوى داخلي جديد، قد يعيد تعريف دور السلاح، وحدود النفوذ، وشكل الدولة في المرحلة المقبلة، وهذه المخاوف، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، تبقى عنصرًا أساسيًا في فهم طبيعة التعقيد القائم.
لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا تجاهل أن استمرار واقع "الازدواجية الأمنية" داخل الدولة نفسها، يبقي لبنان في حالة استنزاف دائم، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، ويجعل أي محاولة للخروج من هذا الواقع عرضة للتعطيل المتكرر.
من هنا، يصبح السؤال أكثر وضوحًا وأقل قابلية للمناورة، هل يستطيع لبنان أن ينتقل من دولة تتعايش فيها مرجعيات أمنية متعددة إلى دولة واحدة بمرجعية واحدة؟ أم أن كل محاولة في هذا الاتجاه ستبقى محكومة بسقف الانقسام الداخلي الذي يعيد إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة؟
الامتحان الحقيقي، إذًا، لا يقتصر على القرى الجنوبية، ولا على خطوط التماس التقليدية، بل يبدأ في بيروت، حيث تُصنع القرارات وتُعرقل في آن واحد، هناك فقط يمكن قياس ما إذا كانت الدولة قادرة على تحويل الاتفاق من مادة خلاف سياسي إلى فرصة فعلية لإعادة بناء مفهوم السيادة.
بين لحظة التوقيع ولحظة التنفيذ، تتحدد هوية المرحلة، إما أن يتحول الاتفاق إلى مدخل لإعادة الاعتبار إلى الدولة، أو أن يُضاف إلى سلسلة طويلة من الفرص التي استهلكها الداخل قبل أن تستهلكها الوقائع الخارجية.
وفي الحالتين، يبقى التحدي واحدًا، دولة واحدة بقرار واحد، أو استمرار دولة بقرارات متعددة تُدار باسم السيادة، لكنها في الواقع تُبقي السيادة نفسها معلقة على حبال الانقسام.