الدكتور سايد حرقص

لعنة «وقف الله»

5 دقائق للقراءة

كنّا صغاراً يوم اندلعت الحرب اللبنانية عام 1975. لم نكن نفهم معنى الحرب، ولا خرائط الدم، ولا خفايا لعبة مصالح الأمم. لكنني ما زلت أذكر جدي، وهو يردد بنبرة حاسمة: «لعنة التعدّي على وقف الله ستكون أشدّ من لعنة الدخول إلى قبور فراعنة مصر».

لم أكن أتصور أن عبارة قالها رجل مسنّ في لحظة غضب وخوف، يمكن أن تتحول إلى مفتاح لفهم تاريخ وطن.

من المتعارف عليه في الشرق أن الشعوب، خلال المصائب الكبرى، تلجأ إلى الغيب في محاولة لتفسير طلاسم الحاضر المخيف. فيختلط التاريخ بالأسطورة، والسياسة بالمقدّس، والهزيمة بالبطولة، في بلدٍ تاريخه مزيج من موروثات مزينة بالقصص والمعتقدات الشعبية، ومطعمة بالأساطير القديمة الآتية من زمن طائر الفينيق وعشتروت وأدونيس.

من المعروف أن لبنان يحتل، في الوعي الديني والثقافي، موقعاً خاصاً في الأساطير القديمة كما في النصوص الدينية والقراءات اللاهوتية. ترد الإشارات إليه في الكتاب المقدس، وتُذكر جباله وأرزُه كرموز للجمال والثبات. وفي سفر حبقوق ترد عبارة لافتة :«قَدْ شَبِعْتَ خِزْيًا عِوَضًا عَنِ الْمَجْدِ. فَاشْرَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاكْشَفْ غُرْلَتَكَ! تَدُورُ إِلَيْكَ كَأْسُ يَمِينِ الرَّبِّ، وَقُيَاءُ الْخِزْيِ عَلَى مَجْدِكَ. لأَنَّ ظُلْمَ لُبْنَانَ يُغَطِّيكَ، وَاغْتِصَابَ الْبَهَائِمِ الَّذِي رَوَّعَهَا، لأَجْلِ دِمَاءِ النَّاسِ وَظُلْمِ الأَرْضِ وَالْمَدِينَةِ وَجَمِيعِ السَّاكِنِينَ فِيهَا».

فمنذ قرون، مرّت عليه إمبراطوريات وجيوش ومشاريع كبرى. كل قوة اعتقدت أنها قادرة على امتلاكه أو تطويعه أو تحويله إلى ساحة خلفية لمصالحها. لكن النتيجة كانت ثابتة: لا أحد استطاع تثبيت سيطرته الدائمة عليه. حتى الاحتلالات العسكرية، مهما طالت، انتهت إلى انسحابات أو انهيارات أو تحولات عميقة في أسس الدول، كما حصل مع نظام آل الأسد في سوريا.

لكن مأساة لبنان الحقيقية لم تكن فقط في الخارج الذي حاول امتلاكه، بل في الداخل الذي نجح في نخر أساساته كالسوس. فبعد اتفاق الطائف، لم يولد مشروع دولة بقدر ما وُلدت، تحت مظلة الاحتلال السوري، سلطات محلية متناحرة تنفذ أجندات خارجية تحت يافطة كُتب عليها «الدولة اللبنانية».

هكذا نشأت «السلطة العميقة» في لبنان على شكل شبكات عنكبوتية خفية من المصالح والتفاهمات المعقدة. وفي قلب هذه المنظومة تبلور التحالف الأخطر في تاريخ لبنان الحديث: تحالف المافيا والميليشيا. المافيا السياسية والمالية والاقتصادية من جهة، والسلاح غير الشرعي من جهة أخرى. تحالفٌ هجين أدار البلاد بطريقة معقّدة تخدم المصالح الفئوية فقط. فالمافيا احتاجت إلى حماية السلاح لتحقيق طموحاتها، وكانت أوضح صورة لذلك تصريح الرئيس السابق ميشال عون: «لعيون صهر الجنرال ما تتشكل حكومة».

وفي المقابل، احتاجت الميليشيا إلى المال والغطاء السياسي كي تتحول من ميليشيا غير شرعية إلى قوة تتمتع بالحماية والغطاء الرسمي. فالاموال الطائلة التي تتقاضاها المؤسسات التابعة لحزب الله من خزينة الدولة بالاضافة الى التهريب الجمركي المنظم والمقونن تحت شعار "لصالح المقاومة" وتصريحات الرئيس السابق إميل لحود، التي كشفت عن حمايته للميليشيا منذ أن كان قائداً للجيش عام 1993، واتفاق قاعة مار مخايل، بالإضافة إلى العديد من التفاهمات السرية مع أطراف متعددة، تُظهر عمق شبكة المصالح وتشابكها.

لقد قامت هذه العلاقة على تبادل المنافع: المافيا وفّرت الغطاء السياسي والمالي، والسلاح وفّر الحماية والقوة، فكانت النتيجة دولةً مُعطّلة، ومؤسساتٍ مُنهكة، ومصلحةً وطنيةً مُغيّبة لصالح مصالح فئوية ضيقة.

وهكذا لم يعد السلاح غير الشرعي خارج الدولة، بل جزءاً أساسياً من بنيتها، ولم يعد الفساد انحرافاً، بل نظاماً لإدارة السلطة. بسبب هذا الواقع، لم تُبنَ دولة بعد الحرب، بل أُعيد توزيع الدولة بين قوى الأمر الواقع: تحولت الوزارات إلى حصص وجوائز ترضية، والإدارات إلى مزارع نفوذ، والاقتصاد إلى شبكة زبائنية، والقضاء إلى ساحة توازنات لا إلى مرجعية للعدالة.

وفي ظل هذا النظام، لم يعد المواطن مواطناً، بل تابعاً ضمن شبكة ولاء تُمنح فيها الحقوق كخدمات، ويُقاس الانتماء بمدى القرب من الزعيم، وتُدار الأزمات لإعادة إنتاج النفوذ داخلها. وهكذا، فشل الخارج في امتلاك الوطن ونجح الداخل في شلّه وتعطيله.

وهنا تصبح عبارة جدي أكثر من مجرد جملة من زمن الحرب. فـ«لعنة وقف الله» لم تكن عن الغزاة فقط، بل تشمل كل من زرع الشوك في طريق بناء دولة حقيقية. لأن هذا البلد يرفض أن يُختزل أو يُستباح أو يُحوّل إلى ملكية خاصة، سواء باسم الخارج أو باسم الداخل.

بعد خمسين عاماً على الحرب، يبقى لبنان حلماً جميلاً مزروعاً في قلوب اللبنانيين الحقيقيين. وسيدرك يوماً غرباء الداخل والخارج أن لعنة «وقف الله» ستلاحقهم كلعنة أبدية لا ترحم. عندها سيرحل الغرباء خوفاً إلى غير رجعة، ويبقى أهل الأرض لبنائها وفق الحلم الذي يولد معهم ويكبر في وجدانهم جيلاً بعد جيل.